يهتف للبشرية هاتف بالصعود: نبي مرسل أو زعيم مصلح أو قائد .. فتتجه - في مجموعها - إلى الصعود فترة من الوقت ، ويبقى حثالة من الناس في أسفل القاع ، مذمومين مدحورين . لأن الموجة صاعدة . ثم يتعب الناس من الصعود ، أو من الاستقامة على القمة ! فيبدأون دورة الهبوط .. وهنا تنتفش الحثالة الموجودة في أسفل القاع ، وتحس أن"الضغط"عليها قد خف ، فتأخذ في النشاط ، ويكون نشاطها في مبدأ الأمر محدودا ، ومنظورا إليه باستنكار . وتهبط الموجة أكثر ، ويخف الضغط على الحثالة الواطية ، فتزداد انتفاشًا ونشاطًا وتتسلم هي القيادة ! وتبقى قلة من الناس مرتفعين ، ولكن تحت ضغط مرهق عنيف .. وتشتد الموجة في هبوطها حتى تطغى .. ويصطدم بقرارة الفساد في النفس البشرية حتى تمجها"الفطرة".. حتى الفطرة المريضة .. فتبدأ تلفظها لأنها تجاوزت آخر مداها . وعندئذ تأخذ الموجة في الصعود مرة أخرى على يد نبي مريسل أو زعيم مصلح أو قائد ..
وذلك تاريخ البشرية !
ولئن كان التطور الاجتماعي والاقتصادي والسياسي ألصق شيء بالتطور المادي ، ومع ذلك فهو مستقل عنه ، ويمكن أن يوجد بلا تدخل منه [ كما حدث في الإسلام ] ، وكان التطور النفسي أقل لصوقا بالتطور المادي ، وأكثر استقلالا عنه ، فالتغير الأخلاقي هو آخر شيء يمكن أن يرتبط بالتطور المادي !
والقصة الطويلة - جدا - التي يرويها التفسير المادي للتاريخ ، في ارتباط الأخلاق بتطور أساليب الإنتاج .. قد كذبتها شهادة التاريخ !
ولا نحتاج أن نعود إليها ! فقد تبين لنا من شهادة التاريخ أن وضعين متشابهين إلى حد يثير الدهشة ، قد فصل بينهما ألفا عام .. وفصل بينهما ما بين العمل اليدوي ، واستخدام الطاقة الذرية في الصناعة والزراعة والطب و .. التدمير !
إذن .. فالعلاقة بين الأخلاق ووسائل الإنتاج هي أضعف العلاقات على الإطلاق .