وقد حدثت أنواع من النمو الجزئي في النفس البشرية بعد الإسلام ولا شك ، في الجوانب التي تتغذى على التقدم العلمي الصاعد أبدا ، وعلى التعقد الاجتماعي والاقتصادي والسياسي الدائم [ التعقد لا التقدم ] .. ولكن النفس في مجموعها لم تتقدم بعد تلك القمة أبدا بل لم تثبت عليها . وقد مر بنا بيان الانحدار النفسي المتواصل في"حضارة"القرن العشرين .
والمرجع الأخير هنا - كما في الأمور الأخرى كلها - هو الفطرة !
ففي الفطرة البشرية استعداد للهبوط يقابل الاستعداد للارتفاع . كلاهما فطري . وكلاهما أصيل . ليس أحدهما مجلوبا من خارج النفس ولا مفروضًا عليها من خارجها"وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا" (1) "لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ، ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ" (2) ] (3) .
والنفس - في حالتيها - داخل حدود الله كما خلقها الله ..
والتوجيه هو الذي يدفع النفس إلى فطرة الارتفاع أو فطرة الهبوط .
ولقد كان التوجيه الإسلامي هو قمة التوجيه نحو الارتفاع ، وكان النظام الإسلامي هو قمة الأنظمة التي تسمح بتحقيق ثمرة تلك التوجيه ، فارتفعت النفس البشرية إلى قمتها . والتوجيه الغربي في القرن العشرين هو الدرك المقابل للتوجيه الإسلامي ، والأنظمة الغربية تكمل هذا التوجيه وتحققه في عالم الواقع ! فهبطت به النفس البشرية إلى دركها الأسفل ، الذي لا يبدو أن هناك مزيدا عليه .
(1) سورة الشمس [ 7 - 10 ] .
(2) سورة التين [ 3 - 6 ] .
(3) انظر كتاب"دراسات في النفس الإنسانية".