لقد قلنا من قبل إن التقدم العلمي جزء من الفطرة يحققها في أحد جوانبها . وكذلك قلنا عن التطور الاجتماعي والاقتصادي والسياسي .. وقلنا إن هذا التطور وذاك لا يخرجان عن حدود الفطرة في نهاية المطاف ..
فماذا نقول هنا عن التطور النفسي ؟
إنه نفس الموقف ونفس القضية ..
كل ما يحدث فهو في حدود الفطرة ..
ولكن الفطرة هنا - بصورة أوضح من كل ما سبق - ذات وجهين متقابلين ، ينشأ من أحدهما الاعتدال ، ومن الآخر ينشأ الانحراف !
إن الخط النفسي - كما رأينا - لا يصعد دائمًا في جميع الحالات ، كخط التقدم العلمي ..
ولذلك سبب من ذات الفطرة !
التقدم العلمي صاعد أبدًا لا ينكص ، لأن في فطرة الإنسان أن يطلب المزيد من المعرفة . وفي فطرته أن يحسّن على الدوام ما يملك من أدوات . إن التحسين يستجيب للفطرة من كل جوانبها . فهو يلبي رغبتها في المعرفة . ورغبتها في الجمال . ورغبتها في التطلع إلى الكمال . كما أنه يستجيب لرغبتها في الراحة ورغبتها في القوة والقدرة والبروز . فكل تحسين يحقق - ولو في أحد جوانبه - مزيدًا من الراحة للإنسان [ وذلك دافع من دوافع الاختراع: تيسير الحياة ] كما يحقق شعورًا بأن الإنسان قد قدر على عمل جديد ، وبهذه القدرة يحقق ذاته ويبرز .. وفي اختصار فالفطرة هنا دافعة دفعًا ملحًا دائبًا نحو التقدم العلمي . ولهذا ظل التقدم العلمي يسير في خط صاعد طوال التاريخ . لهذا ، وليس لأي سبب آخر من"خارج"الفطرة ، يدعيه التفسير المادي للتاريخ ! ولهذا الكيان الكلي الشامل ، الذي يشمل الإنسان كله ، لا لجزء واحد منه كما زعم التفسير المادي للتاريخ حين قال إن تاريخ الإنسان كان دائما تاريخ المحاولة لتحقيق كيان"الإنسان"ولم يكن تاريخ البحث عن أي جانب واحد منفصل في هذا الكيان !