وانطلقت تلك الأمة الراشدة تبني مثلا للتاريخ .. مُثُلا في كل جوانب الحياة وكل مجالات النشاط الإنساني . الفتح الخاطف الذي لا مثيل له من قبل ولا من بعد في كل التاريخ .. من المحيط للمحيط في نصف قرن من الزمان !
نشر العقيدة الصحيحة في ربوع الكون المعمور على ثبات وقوة وتمكن .
إقامة المثل الخلقية الباقية التي تستمد منها البشرية كلها في جميع عصورها في شخص الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين صنعهم على عينه: أبي بكر وعمر .. وعثمان وعلي .. وأبي عبيدة وخالد .. وسلمان وصهيب .. وبلال وعمار . وأسماء وعائشة .. وفاطمة وأم سلمة .. وسمية ونسيبة .. ومئات وألوف على مدار الأجيال حتى اللحظة الراهنة رغم جميع التقلبات والأحداث !
إقامة الحضارات بكل الوسائل المتاحة في الأرض .
إنشاء المذهب التجريبي الذي قامت عليه بعد ذلك العلوم الحديثة كلها ، وخطا به العلم هذه الخطوات الجبارة في العصر الحديث ..
و ... في كل جانب من جوانب الحياة ..
تلك كانت قمة البشرية .."كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ" (1) .
ولكن"البشرية"لم تحافظ على قمتها !
لقد تقدم العلم . وتقدمت"الخبرات"النفسية في شتى الميادين .. ولكن عادت الاختلالات إلى الظهور !
تجنح البشرية بروحها مرة . وعقلها مرة . وجسدها مرة .
تهتم بالحضارة المادية وتهمل حضارة الروح ..
تهتم بالتقدم العلمي وتهمل التوجيه الخلقي ..
تهتم بالحياة الدنيا وتهمل الآخرة ..
وتفقد البشرية توازنها ، ولا تتواكب الخبرات .. فينحدر الكيان النفسي في مجموعه ..
وتنشأ من ذلك"حضارة"القرن العشرين !
حين نصل إلى هذا الحد من البحث ، نعود إلى زاوية النظر التي نرصد منها الموضوع كله .."دلالة الفطرة".
(1) سورة آل عمران [ 110 ] .