الصفحة 121 من 291

يمكن أن نقول إنها بلغت سن الرشد بدعوتها إلى الإسلام أو باستجابتها إليه ، يوم خاطب الله تعالى المسلمين بقوله:"الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا" (1) . ففي ذلك اليوم كان قد اكتمل لها الرشد حقا ، وانطلقت تقيم الخلافة الراشدة على ظهر الأرض .. فكيف كان ذلك الرشد ؟ وما مظاهره ومميزاته ؟

الرشد العقلي ظاهر في طبيعة الرسالة ذاتها .. التي تخاطب العقل ، ولا تقهره بالمعجزات الحسية ، وإنما ترشده وتوضح له المسالك ليهتدي - بذاته - إلى الحق الذي خلقت به السماوات والأرض وما فيهن . والذي تقوم عليه حياة الإنسان وتقوّم به أعماله في آخرته ودنياه .

وظاهر كذلك في إطلاق طاقة العقل في جميع ميادين النشاط العقلي المتاحة للإنسان .. بتدبر آيات الله في الكون ، وبتعرف على"القوانين الطبيعية"والنواميس التي تحكم كيانه . ويمشي في مناكب الأرض يبحث عن الرزق ، فيحتك بالكون المادي ويستنبط طاقاته . ويمشي في"التاريخ"فيستنبط أسباب قيام الأمم وزوالها ، ويستفيد بها خبرة لحاضره ومستقبله . ويتدبر حكمة التشريع ليقيم تنظيماته السياسية والاقتصادية والاجتماعية على هدى وبصيرة .

والرشد الروحي في الاهتداء إلى الله الحق . والاتصال به . والاستمداد منه . والتعبد الصحيح إليه ، بإفراده بالعبودية ، ونبذ العبادات الضالة كلها ، من عبادة بشر لبشر ، أو عبادة بشر لوثن أو قوة من قوى الكون ، أو عبادة بشر لذاته وأهوائه وشهواته ..

والرشد"الحسي"في البحث عن وسائل التقدم المادي والحضاري ، وهضمها وتمثيلها والإضافة إليها حتى صارت حضارة الإسلام مضرب المثل في التاريخ ..

كيان راشد ناضج تواكبت جوانب النمو فيه فتوازنت على شمول وإحاطة .

وكانت تلك قمة البشرية ..

(1) سورة المائدة [ 3 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت