الصفحة 119 من 291

ويحتك بالناس فتكون تجربة من نوع ثالث .. بل تجارب شتى متعددة . يكتشف أنه يحب الناس ويكره الناس [ لأسباب ! ] (1) وأنه يطغى على غيره أحيانا فيستخذي هذا الغير أو يقاوم الطغيان ، وأنه هو كذلك يستخذي لطغيان غيره عليه أحيانا ويقاوم أحيانا . وأنه يحتاج إلى الناس ويستغني عن الناس . ويتخصام ويتصافى . ويحارب ويسالم . ويتعاون وينعزل . فتنشأ من كل ذلك"نظم"وشرائع وعلاقات .

وهكذا .. كلما خطا خطوة وقعت له تجربة جديدة ، ومن هذه التجارب ينمو ويتسع ويشتد قوامه . ويتدرج من البساطة إلى التعقيد . من التعبير الساذج المباشر إلى التعبير الناضج البعيد الغور . وتقوى"عضلات"نفسه وفراملها ، ويختلط الخيال بالواقع ، ويصير أقرب إلى"تعقل"الأمور .

وتتواكب الأمور كلها في وقت واحد .. في عملية النمو السوية . فتزداد الخبرة وتتحسن العدد والآلات وأدوات الإنتاج ، وينمو الكيان الاجتماعي والاقتصادي والسياسي .. وكذلك تنمو"النفس"في مجموعها وتنضج وتتعمق .

ولكن الأمور لا تستقيم في كل حالة .. فقد ينمو جانب من النفس أو جانب من الحياة ويتعثر جانب آخر .. فلا يحدث التواكب الفطري السليم الذي ينبغي أن يكون .

يتقدم الإنتاج المادي أو الخبرة النفسية أو الخبرة الفكرية ولا تستقيم بقية الخبرات ..

وقد عرف التاريخ نماذج من ذلك كثيرة ..

فالإغريق قد بلغوا الذروة - في عصرهم - في التقدم"الفكري"الخالص . في الفلسفة والعلوم النظرية . ومع ذلك كانت في حياتهم اختلالات جمة . أبرزها الاختلال في الجانب الروحي . فالذهن المتضخم كان يطغى على نشاط الروح .

(1) يقول فرويد إن الحب والكره ظاهرة مزدوجة في الكيان النفسي تحدث بلا سبب ! وقد ناقشنا ذلك تفصيلا في كتاب الدراسات .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت