النفس البشرية - ككل شيء في حياة الإنسان - تنمو بفطرتها نحو النضوج والتكامل والتعقد والشمول .
وتتعرض في أثناء نموها للاعتدال والانحراف . كلاهما فطرة في طبيعة الإنسان (1) ..
في طفولتها تكون أقرب إلى البساطة . تعبيرها ساذج مباشر ."فراملها"ضعيفة التكوين . حسية أكثر مما هي معنوية . جزئية أكثر مما هي شاملة . جزئية في تناولها وتفسيرها للأمور . وفي الوقت ذاته واسعة الخيال على غير أسس تحكم هذا الخيال . فهو خيال مطلق يتخيل كل شيء ويصدق كل شيء في بساطة وسهولة ويسر .
وتأخذ البشرية في النضوج ..
لماذا ؟
هكذا ركب في فطرتها . فلا تحتاج إلى مبرر آخر !
ولكن النضوج [ أي النمو ] يحتاج إلى غذاء . وإلا فإنه يذبل ويذوي ويموت .
والخالق الذي خلق النفس ووضع في فطرتها ذلك النمو ، وضع لها كذلك غذاءها"الفطري"على مقربة منها . كما جعل الثدي على مقربة من فم الطفل ، والغذاء كله على مقربة من الإنسان .
غذاء النمو النفسي هو"التجربة".. وفي فطرة الإنسان أن يجرب ويستفيد بالتجربة .
وميدان التجربة هو الحياة كلها على الاتساع: في عالم الحس وعالم النفس وعالم الروح . في الكون المادي والكون المعنوي سواء .
"عقل"الإنسان يحتك بالكون المادي فتكون تجربة . يكشف النار . يكشف خواص المادة . يكشف طريقة"التعامل"مع المعادن أو النبات أو الحيوان .
و"نفس"الإنسان تحتك بالكون المادي فتكون تجربة من نوع آخر . يكتشف عجزه عن أمور ومقدرته على أمور . ومن العجز والمقدرة كليهما تتكون له مشاعر وعقائد وأفكار . فيتعبد . ويعتقد . ويتجبر أحيانا ويغتر ! ويحاول التغلب على العجز بالمزيد من القدرة ، فتنمو في نفسه وعقله وجسمه طاقات مختلفة كانت كامنة من قبل .
(1) انظر كتاب الدراسات ،"فصل الانحراف والشذوذ"