الصفحة 117 من 291

هذه الآلية الهابطة ، التي تحيل المشاعر والأفكار والأعمال نشاطا آليا كنشاط الالة . زر يضغط عليه فتنطلق أعمال . زر يضغط عليه فتنطلق أفكار . زر يضغط عليه فتنطلق مشاعر . أقرب إلى مشاعر البهيمة ، وأحيانا أحط من مشاعر البهيمة المحكومة بفطرتها المضبوطة المستقيمة .

هذه المادية المغلقة التي تغلق جوانب الروح ، وتطمس على رفرفاتها ، وتجثم على الأرض لا تريد الانطلاق ولا تقدر عليه .

هذه"الواقعية"المريضة التي تعيش في حدود اللحظة ، وتأبى أن"تتصور"و"تتخيل".. لتتصور"الكمال"وتسعى إلى تحقيقه .

هذه الحسية التي تحيل المشاعر لذة جسد محصورة ، لا تتندى بعواطف"الإنسان".

تلك هي حصيلة"التقدم !"النفسي في القرن العشرين ! ولا نتحدث بعد عن الأخلاق !

إنها حصيلة"الآلة"! حصيلة تحويل الإنسان كله إلى آلة تعمل في نطاق الحس القريب .

إنها اختلال نفسي لا مثيل له قط في سالف القرون !

والتفسير المادي للتاريخ يقدم لهذا الأمر تفسيرات شتى ، ومبررات شتى . بعضها يقدمه في تبجح وبعضها يقدمه على استحياء .. فحتى التفسير"المادي"للتاريخ ينبغي أن يستحيي من هذا المسخ المشوه الذي صار إليه الإنسان في القرن العشرين !

وما يعنينا هنا أن نناقش التفسيرات والمبررات والاعتذارات . ولكن يعنينا فقط أن نبرز هذه الحقيقة: أن التقدم العلمي لا علاقة له بالوضع النفسي للإنسان . فالعلم يتقدم في سبيله ، صاعدا أبدا ، كل خطوة تؤدي إلى تقدم جديد . والنفس تمضي في سبيلها . إن وجهت الوجهة الصالحة يكون فيها الخير ، وإن وجهت الوجهة الفاسدة لا يمسكها عن الفساد كل التقدم العلمي والتطور في أساليب الإنتاج .. بل قد يزيدها فسادا كما هو الحال في القرن العشرين .

ونعود إلى دراسة التطور النفسي في ذاته . ما هو ؟ وما العوامل المؤثرة فيه ؟ وما دلالته على الفطرة البشرية ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت