الصفحة 116 من 291

وهذا العلم كله - بمفرده ، أي بدون توجيه نفسي وخلقي معين - لا يستطيع أن يصلح ما فسد من النفوس . بل هو قمين أن يزيدها فسادا لأنه يلهب غرورها فتظن أنها على صواب ! ["قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا ، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا"! ] (1)

هذا التقدم العلمي كله: الثلاجة الكهربائية ، والغسالة الكهربائية ، والإنسان الآلي والمخ الإلكتروني . والزر الذي تضغط عليه فيدور مصنع كامل دقيق الآلات أو ضخم الآلات . أو يأتيك طعام جاهز يلبي نداءك كالجني القديم في الأسطورة . أو تسمع الموسيقى الحالمة التي ترتاح إليها نفسك . أو يتكيف جو حجرتك أو فراشك .. أو .. أو .. الخ .

التقدم الذي ينقلك في لحظة عبر العالم . تسمعه وتشاهده وتشاركه . في الإذاعة أو التليفزيون أو التليفون اللاسلكي . فيفتح لك نوافذ متعددة على العالم ترى منها ما لم تكن تحلم أن تراه لو قضيت عمرك كله في الأسفار . هذا وأنت جالس في مكانك لم تبرح . كالجني القديم في الأسطورة ينقل العالم إليك وأنت مستريح ..

التقدم الذي نفذ إلى آفاق الكون ، فرأى ملايين الملايين من النجوم والكواكب ، قاس حرارتها وعرف أبعادها ورصد أفلاكها . ثم قفز إليها يريد أن يضع قدمه على أرضها .

هذا التقدم كله .. ماذا صنع في"نفسية"القرن العشرين ؟ . ولا نتحدث بعد عن الأخلاق .

هذه الضحالة المزرية بكرامة الإنسان ! التي لا تطيق التعمق في المعرفة ولا التعمق في المشاعر ولا التعمق في الأفكار . وإنما تريد أن تأخذ الأمور كلها من سطوحها . قفزا قفزا . كالطائر المجنون .

هذه التفاهة"الجزئية"في الحكم على الأمور ، التي لا تطيق النظرة الشاملة ولا تصبر عليها ، وإنما تأخذ كل جزئية بمفردها ، منفصلة ومستقلة ، على غير حقيقتها في بنية الكون وبنية الأحداث .

(1) سورة الكهف [ 103 - 104 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت