فالطفل الذي يولد في القرن العشرين ، في النصف الثاني منه خاصة ، وحوله السينما والإذاعة والتليفزيون ، والطائرة والصاروخ ، والآلات الدقيقة التركيب ، وحوله التشابكات الاجتماعية المعقدة ، والتشابكات السياسية الدولية والمحلية ، المتقلبة من لحظة إلى لحظة .. ساعة تجنح إلى السلام وساعة تجنح إلى الحرب .. هذا الطفل أنضج ولا شك في"معلوماته"وفي بعض مشاعره وتصوراته وأفكاره من رجل بالغ كان يعيش في القرن العاشر مثلا أو الثاني عشر ..
ولكنا نكون مخطئين إلى حد مضحك إذا تصورنا أن هذا الطفل أنضج في مجموع نفسه من ذلك الرجل ! فهو ظفل مهما يكن من نمو مدركاته .. يتناول الحياة بنفسية الطفل ومطالب الطفل وتصورات الطفل .. وذلك الرجل رجل بالغ مجرب ، ناضج في مجموع نفسه بمقدار ما تتيح له بنيته الخاصة من النضوج .
الدلالة التي نستحرجها من المثال واضحة .. إن التقدم العلمي ينضج حقا بعض جوانب النفس . ولكنه - بمفرده - لا يصلح للحكم على مدى النضوج واتجاهه ، لأن الجانب الذي ينضجه ليس من السعة والشمول بحيث يعطي النفس طابعها المميز الأخير !
وقد وقع القرن العشرون في هذه الأضلولة حين بهره التقدم العلمي !
لقد ظن أنه خير القرون طرًا في كل شيء ، لأنه أشد القرون تقدما في العلم ، وأشدها - حتى الآن - سيطرة على قوى الكون ..
وأعماه هذا الظن عن أن يدرك عيوبه .. النفسية والخلقية على حد سواء !
إن هذا القرن الذي تقدم في العلوم كل هذا التقدم ، ففجر الذرة وأطلق الصاروخ وغزا الكواكب .. يعيش بنفسية الطفل في بعض جوانب الحياة ، وبنفسية المراهق في بعضها الأخر . وفي بعضها الثالث بنفسية الحيوان ، من غير ضوابط الحيوان .