كنا إلى هذه اللحظة نبحث في التطور الاجتماعي والاقتصادي والسياسي . وقد رددناهما في وضوح جازم إلى الفطرة البشرية وطاقاتها واستعداداتها ، ووكدنا حقيقة ثبات الفطرة رغم هذه التطورات . ونريد - قبل أن ننتقل إلى بحث اللونين الأخيرين من التطور: التطور النفسي والتطور الأخلاقي - أن نبين حقيقة هامة قد لا تتضح على حقيقتها في ظل ذلك التوكيد .
إننا لا نلغي على الإطلاق قيمة التطور العلمي أو التطور الاجتماعي والاقتصادي والسياسي . ولا نقول إنه لا يغير شيئًا في واقع الحياة !
ذلك كلام لا يقوله العقلاء !
كمن يقول إن الطفل الرضيع كالرجل البالغ في جميع الأوضاع !
وما قصدنا غلى شيء من ذلك . بل نحن - كما أسلفنا - نميل إلى إبراز هذا التطور وذاك إبرازًا واضحا ملموسا ، ونؤكد حقيقته !
ولكننا فقط نرده إلى الفطرة .. ونرد الفطرة إلى مشيئة الله وقدره .
إننا نريد أن نقول إن"صورة"الحياة كلها تتغير بعد كل اكتشاف أو اختراع جديد ، وبعد كل تحول من التحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية . وتجدّ للناس مشاعر وأفكار وتصورات لم تكن من قبل ، كما تقوم علاقات الناس فيما بينهم على هذه المشاعر الجديدة والأفكار والتطورات .
ولكن تغير"صورة"الحياة لا يغير"فطرة"الإنسان . هذه هي المسألة التي نكررها ونؤكدها . إنها أشكال متغيرة من فطرة ثابتة . وكلا التغير والثبات له حقيقته وله دلالته ، بلا تعارض ولا تضارب . لأن"الحق"لا يتعارض ولا يتضارب إلا في الأفهام الجزئية التي لا تدرك ما بين بعضه وبعض من ارتباط .
إن النمو الدائم في جسم الطفل ونفسه وعقله حقيقة .. لها وزنها ودلالتها .
ومع ذلك ففي الطفل ما في الرجل البالغ من خطوط فطرية أصيلة ونزعات فطرية .. بلا افتراق في الجوهر وإن تعددت الصور والأشكال .