ثم إن التطور الاجتماعي والاقتصادي والسياسي - كالتطور العلمي - لا يخرج بالإنسان عن فطرته ، لأن الناس محكومون بفطرتهم في نهاية المطاف !
كل اختراع جديد يهز الناس وقت ظهوره هزًا ، ويطلق أفكارهم ومشاعرهم فيتخيلون عالما جديدا مختلفًا كل الاختلاف ، عالما لا تحكمه مشاعر الماضي ولا تصوراته .. عالما كأنما يحكمه جانب جديد من النفس لم يكن له وجود من قبل !
ثم .. تبرد حرارة الاختراع .. ويتعود الناس وجوده .. ويعودون رويدًا رويدًا إلى فطرتهم .. وإلى مشاغلهم العادية ، وآمالهم ومخاوفهم ! يعودون إلى البحث عن الطعام والشراب والملبس والمسكن والجنس .. يعودون إلى حب الملك ، وحب الصراع وحب البروز .. يعودون إلى الخوف من الموت والبحث عن الخلود !
وكذلك التحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية .. تهز الناس في جلتها .. وتشكل أفكارهم ومشاعرهم في شكل جديد . ولكنها لا تخرجهم من فطرتهم !
ففي العشيرة والقبيلة والأمة والمجتمع الإنساني .
وفي المجتمع الرعوي والمجتمع الزراعي والمجتمع الصناعي ..
في حكومة"الأب"وحكومة الإمبراطور المقدس والحكومة الديمقراطية وحكومة الطبقة الواحدة والحزب الواحد ..
في كل ذلك لا يخرج الإنسان عن الفطرة في نطاقها الواسع ..
إنها الفطرة في نزعتها الفردية والجماعية . في نزعتها للالتزام والتحرر . في نزعتها للسلبية والإيجابية . في حب الملك . وحب البروز وحب الصراع .. تأخذ أوضاعا شتى !
ومرونة الفطرة وسعتها ليستا دليلا على عدم وجودها كما خيل لدركايم وللتفسير المادي للتاريخ !
والدليل على وجودها هو ثورتها على ما لا يلائم طبيعتها . ثورة طبيعية لا تُتلمس لها الأسباب !
إن التفسير المادي للتاريخ يتمحل الأسباب لثورة الرقيق في أوربا في نهاية العصور الوسطى ، فيقول إنها كامنة في نشوء المجتمع الصناعي وحاجة المصانع إلى العمال ، وضرورة تحرير رقيق الأرض للعمل في المصانع !
كذلك .. ؟!