"فجاء الإسلام يعطي كل ذي حق حقه ، بإنسانيته المجردة ، لا بكونه صاجب قوة أو نفوذ أو سلطان ، حتى ولو لم يكن مسلما ، ما دام يعيش في المجتمع الإسلامي . وقد نزلت تسع آيات في سورة النساء لتبرئ يهوديا اتهم ظلما ، وتآمر على اتهامه رجال من المدينة أقوياء بعصبيتهم ولا ولي له ولا نصير [ سورة النساء ( 105 - 113 ) ومما جاء فيها:"ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا"إشارة إلى ذلك اليهودي البريء ! ] ."
"وكان منطق البيئة هو توقير زعيم القبيلة - أو الملك حين تتكون الأمة - توقيرا يجعل منه إلها لا يسأل عما يفعل . وكان هذا هو منطق العالم كله مع حكامه في ذلك الحين ، فإذا الإسلام يجعل في هذه الأمة من الوعي السياسي البالغ القمة ما يجعل فردا من عامة المسلمين يقول لأشد الخلفاء مهابة في تاريخ الإسلام - عمر بن الخطاب -"والله لو وجدنا فيك اعوجاجا لقومناه بحد السيف"! ثم يجعل عمر لا يغضب لنفسه من هذه القولة الجريئة . بل يحمد الله !"
"وكان منطق البيئة يجعل الكرم العربي الشهير مقتصرا على الحفاوة التي يسير بذكرها الركبان ، وتصلح للمفاخرة بين القبائل ، أما العطف على الفقير المسكين ، والعطف الذي ينبع من منبع إنساني بحت ، ولا يهدف إلى شهرة ولا فخر ولا تظاهر ، فقد كان أمرا نادرًا في تلك البيئة قليل الحدوث ! فجاء الإسلام يلح إلحاحا شديدا جدا في إعطاء المسكين"حقه"في مال الله ، وإكرامه ، والعطف عليه ، ومواساته ، حتى ليجعل ذلك أمرا للرسول ذاته صلى الله عليه وسلم ، وما كان في حاجة قط إلى هذا الأمر:"فأما اليتيم فلا تقهر ، وأما السائل فلا تنهر"وإنما كان توجيه الأمر إليه صلى الله عليه وسلم للإشعار بأهميته وبأنه واجب القضاء ."
"وكان منطق البيئة - ومنطق العالم كله يومئذ - يجعل السادة سادة والعبد في منزلة تقرب من منزلة الحيوان ، يهان ويعذب ويقتل بلا حساب ."