الصفحة 103 من 291

بل الأدهى من ذلك أن روسيا - الشيوعية - قد أخذت أساليب الإنتاج المادي عن أوربا الرأسمالية ! فقد كانت خارجة من الإقطاع والظلام والجهالة في ظل القيصرية ، بغير تجربة في عالم الصناعة ، وبغير أدوات صناعية ذات بال ، فلما أنشأت نظامها على مذهبها الفكري الخاص ، وقررت إحداث حركة صناعية ضخمة ، استخدمت أساليب الإنتاج المتقدمة الموجودة لدى أوربا الرأسمالية ، ولكنها أعطتها أهدافها هي ، وقيمها ومبادئها ! فحيث تستخدم هذه الأساليب في الغرب لتوكيد فردية الإنسان ، استخدمتها روسيا لإلغاء فردية الإنسان وتوكيد صفته الجماعية ! فألغت الملكية الفردية ، والأحزاب السياسية المتعددة ، و"ديمقراطية"الحكومة ، وأعلنت"دكتاتورية"البروليتاريا !

بل الأشد سخرية من ذلك أن ماركس - وهو يتصور على هواه خطوات التاريخ الحتمية ، المبنية على حتمية مراحل النمو الاقتصادي والاجتماعي والسياسي ، المترتبة بدورها على تطور أساليب الإنتاج - قد افترض أن الشيوعية ستبدأ في غرب أوربا ، وفي إنجلترا بصفة خاصة ، كنتيجة حتمية للتقدم الصناعي والصراع الطبقي بين العمال ورأس المال ! فكانت النتيجة الحقيقية [ غير الحتمية ] ! أن قفزت روسيا من الإقطاع إلى الشيوعية مباشرة ، متخطية خطوة الرأسمالية [ الحتمية !! ] وبقيت إنجلترا رأسمالية إلى هذه اللحظة !

ومن ناحية أخرى فإن التغير في صورة الحياة البشرية - في الميدان الاقتصادي والاجتماعي والسياسي - قد لا يقوم على تطور أساليب الإنتاج على الإطلاق !

ومثال ذلك هو الإسلام !

"أية قوة مادية .. أية تغيرات في أساليب الإنتاج .. في الجزيرة العربية أو في العالم أجمع .. هي التي أدت - بصورة حتمية - إلى ظهور محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم - يدعو إلى هذا الإسلام ويبشر بالدين الجديد ؟"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت