الإسلام
و
معضلات الاقتصاد
أبو الأعلى المودودي
رحمه الله
بسم الله الرحمن الرحيم
هذه محاضرة ألقاها الأستاذ السيد أبو الأعلى المودودي -أمير الجماعة الإسلامية- في جامعة عليكرة الإسلامية، حينما زارها في أكتوبر سنة 1941، على أثر دعوة من جمعية التاريخ والتمدن الإسلامي بالجامعة. ثم أفردت في رسالة مستقلة وطبعت غير مرة. ووزعت منها آلاف من النسخ خلال السنين العشرة الماضية. وكذلك ترجمت بالإنكليزية وغيرها من لغات الهند المحلية. أما الترجمة العربية فقد قام بها صديقنا الأستاذ محمد ناظم الندوي -عميد الجامعة العباسية في بهاول بور اليوم- وعنيت بنشرها دار العروبة للدعوة الإسلامية منذ ثلاث سنين.
وها هي ذي تطبع مرة ثانية في القاهرة بمساعدة إخوان لنا في الدعوة، اتجهت همتهم، بفضل من الله وتوفيقه إلى نشر هذه الرسائل وتعميمها في البلاد العربية. عسى الله أن يجزيهم عن ذلك جزاء حسنًا. ويتقبل مساعينا ومساعيهم ويجعل نياتنا وجميع أعمالنا خالصة لوجهه الكريم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
دار العروبة. راولبندي
(باكستان) غرة جمادى الآخرة
سنة 1371
وكتبه العاجز الفقير إلى رحمة الله
مسعود الندوي
معتمد دار العروبة للدعوة الإسلامية
بسم الله الرحمن الرحيم
لعل أظهر ما يمتاز به العصر الحاضر عناية الأمم بشؤون الرزق وأمور المعاش بما لم يسبق له نظير في عصر من العصور. وإن شعوب العالم كبيرها وصغيرها، ودول الأرض العظمى فما دونها، تهتم كلها بأمور المعاش والاقتصاد أكثر مما تهتم بغيرها من شؤون الحياة. ومما لا شك فيه أن الناس -أفرادًا وجماعات- ما زالوا منذ فجر التاريخ مهتمين بأسباب معايشهم ومتع حياتهم، لكنهم اليوم قد عظمت عنايتهم بالمال وطرق تنميته واستثماره وأساليب توزيعه، وتوسعوا في ذلك حتى أفردوا له علمًا خاصًا به سموه علم الاقتصاد، فأصبح الشغل الشاغل للشعوب والأمم والدول، والقطب الذي تدور حوله الأفكار والجهود، وتشعبت عنايتهم بهذا العلم وبحوثه فاتسع نطاقه وترامت أطرافه ونواحيه، وتفرعت مصطلحاته العلمية حتى صار الاضطلاع به والإلمام ببحوثه من صعاب الأمور. وإن معضلات هذا العلم المتعلقة بالاستهلاك والانتاج وتوزيع المصنوعات والمحصولات قد شغلت عقول العلماء واستأثرت بجهودهم حتى أصبحت المسائل الحيوية الأخرى في الدرجات التالية لذلك في نظرهم. ومن غرائب الأمور أن مسألة المعايش هذه -مع كل ما بذل في سبيلها حتى الآن- لا تزال من معضلات الأمم المستعصية الحل، وكلما ازدادوا توغلًا في درسها ومعالجتها ازدادت غموضًا عليهم حتى كأنها اللغز الذي لا يحل.
إن هذه المصطلحات الاقتصادية الدقيقة التي اصطلحوا عليها فيما دوّنوه من بحوث حول مشاكل المعيشة أدخلت على نفوس الجماهير الشعور بالفزع والقنوط من الوصول إلى الحلول المرضية في تلك المشاكل، كما يشعر المريض بالخوف والارتياب إذا سمع طبيبه يسمي مرضه الخفيف باسم لاتيني يهوّل الأمر عليه فيخيل إليه أن داءه داء عضال يستعصي عليه الشفاء منه. ولو أننا جردنا هذه البحوث الاقتصادية من المصطلحات التي عقّدوا بها نسيجها لسهل علينا فهم مشاكل المعاش، ولأدركنا المرامي التي تحاولها الأمم في الأساليب التي تبتكرها لحل تلك المشاكل، فيتبين لنا ما فيها من ضرر أو نفع، ومن خير أو شر، وبذلك يتسنى لنا الوصول إلى اختيار الحلول البسيطة والعمل بها.