الصفحة 7 من 49

أقول إذا كان اكثر ما تقدم كان مع الكفار ورؤوسهم، فكيف بمن سواهم ممن هم داخل دائرة الاخوة الإيمانية، لا شك أن الرفق بهم والاحسان اليهم والصبر والخوف عليهم والحرص على هدايتهم إلى الحق أولى وأوجب.

لكن هاهنا تنبيه هام:

فيجب التفريق بين الحرص على هداية الكفار أو الفجار أو المنحرفين، أو تمني هدايتهم ودعوتهم بالحكمة والموعظة الحسنة، وبين محبتهم ومودتهم أو توليهم، فالكافر لا تجوز مودته أو محبته أو توليه، قل تعالى: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم} ، وقال سبحانه: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوآدون من حادَّ الله ورسوله ولو كانوا آباءهم ... } .

وكذلك العصاة من المسلمين إنما يحبون بقدر طاعتهم ويبغضون لمعاصيهم أو بدعهم ولا يخرجون من دائرة الموالاة الإيمانية، ولا يتبرأ منهم البتة لكن يتبرأ من معاصيهم، كما قال تعالى: {واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين *فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون} ، بينما قوله في حق الكفار: {إنا برءاؤا منكم ... } .

ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم إني أبرأ اليك مما صنع خالد) [1] ، ولم يقل؛ من خالد، فلا بد من معرفة هذا، وعدم الخلط فيه، فلا نخاطب ونعامل عصاة الموحدين بما نعامل به الكفار والمشركين، ولا يجوز العكس أيضًا.

ومن ذلك تعرف مرادنا بهامش الكتاب المشار إليه في السؤال، فكم رأينا أناسًا يتبرؤون من الموحدين على صفحات الجرائد النتنة ويصفونهم بألقاب هم منها براء - كالتطرف والتكفير ونحوه - بل يشمتون بهم إذا نكل بهم الطواغيت، ومنهم من يرفع التقرير إلى أعوان الطغاة يغريهم بهم لاعتقالهم أو إخراجهم من بلادهم، ثم هم ينتسبون إلى الدعوة والدعاة ويتباكون على الإسلام والمسلمين وهذا امر عايشناه وشاهدناه، فحذار من الانزلاق في هذه السبل فإنها من سبيل الذين لا يعلمون، وليتذكروا قوله تعالى - في وصف من يحبهم ويحبونه: {أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين} .

وكما أن الرفق ما كان في شيء إلا زانه؛ فكذلك الشدة في مكانها محمودة، فالكافر إذا دعي بالحكمة والموعظة الحسنة فطغى وتجبر وعتا وأبى، فلا حرج على احد في إظهار

(1) رواه البخاري في كتاب المغازي في قصة من قتلهم خالد بن الوليد من بني جديمة حين قالوا:"صبأنا"، ولم يُحسنوا أن يقولوا أسلمنا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت