العداوة والبغضاء له بل ذلك من ملة ابراهيم ودعوة الأنبياء والمرسلين وقد فصلنا في الكتاب المذكور تفصيلًا كافيًا، وكذلك لا مانع مع امثاله من الشدة والغلظة التي ذكرها الله تعالى في حقهم في مواضع من كتابه.
فإن موسى - عليه الصلاة والسلام - بادأ فرعون بالقول اللين الحسن استجابة لأمر الله تعالى، فقال له: {هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى ... } ، وأراه البينات، فلما أظهر الطاغوت تكذيبًا وعنادًا واصرارا على الباطل، قال له موسى كما اخبر تعالى: {لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض بصائر وإني لأظنك يا فرعون مثبورًا} .
والشدة مع أعداء الله المحاربين تتنوع وتتفاوت بحسب الواقع والحال، فقد تصل في أحوال إلى القتل والقتال، وقد تكون بالإغلاظ وبالقول البليغ وإبداء العداوة والبغضاء، أو بالمقاطعة والهجران والترك والإعراض، ولكل مقام مقال، وذلك مبسوط في السنة، معلوم في مظانه، لكن لا ينبغي أن يخلط كما أسلفنا بين معاملة الكفار والمشركين والمرتدين، وبين معاملة عصاة المؤمنين.
فالشدة التي جوزها الشارع أحيانًا مع بعض العصاة والمخالفين الذين لم يخرجوا من دائرة التوحيد هي شدة إلى حد معين عاقبتها محمودة، وقد وصفها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بالشدة التي تلجأ إليها أحيانا إحدى اليدين لإزالة الأوساخ عن اليد الأخرى، فليس المراد بالشدة إتلاف اليد، بل تنظيفها، ولذلك يحمد العقلاء هذه الشدة ولا يذمونها، كما يتجرع المريض الدواء ويحتمل مرارته لمعرفته بالمصلحة المترتبة على تلك المرارة، فما دام هجران المخالفين المنحرفين عن جادة الصواب من الموحدين، تندرج تحت هذا الأصل، وما دامت الشدة عليهم لتعليمهم وأطرهم على الحق بعيدة عن الغل والحسد والعداوة والبغضاء التي مبعثها الهوى والحزبية المقيتة، وما دامت في الله ولله فلا حرج منها ...
فالزجر بالهجر من سنن المصطفى صلى الله عليه وسلم المهجورة في هذا الزمان، وقد كان صلوات الله وسلامه عليه: (إذا اطلع على أحد من أهل بيته كذب كذبة لم يزل معرضًا عنه حتى يحدث توبة) [1] ، وهجر صلوات الله وسلامه عليه المخلفين الثلاثة عن غزوة تبوك
(1) ذكره ابن عبد البر في التمهيد عن عائشة رضي الله عنها [1/ 69] ، وفي مسند الإمام أحمد [6/ 152] عن عائشة رضي الله عنها: (ما كان خلق أبغض إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكذب وما اطلع منه على شيء عند احد أصحابه، فيبخل له من نفسه، حتى يعلم ان قد أحدث توبة) .