المسألة الرابعة
حول قاعدة من لم يكفر الكافر فهو كافر
يقول تعالى: {قل إنما أنذركم بالوحي} ، ويقول عز من قال: {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء} ، فلا حجة في ديننا بشيء غير ما أنزل إلينا ربنا، وكل قاعدة أو أصل لا يرتبط بالوحي فلا حجة فيه ولا دليل.
فنظرنا في هذه القاعدة ما دليلها الذي تقوم عليه؟ لنعرف حدودها وتطبيقاتها، فلم نجد إلا قوله تعالى: {وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون} ، والجحد لا يكون إلا بعد العلم كما يقول العلماء، ويكون باللسان كما يكون بالقلب أو بهما معًا.
فكان من لم يكفر كافرا علم أن الله تعالى كفره أو أن رسوله صلى الله عليه وسلم كفره بنص قطعي الدلالة قطعي الثبوت؛ قد جحد ورد كلام الله وكلام رسوله، ومن جحد كلام الله أو كلام رسوله فقد كفر، هذا هو سبيل هذه القاعدة ومستندها.
ومعلوم أن للتكفير شروط وموانع، فلو توقف طالب علم عن تكفير إنسان لاعتقاد أن شرطا منتف في حقه أو أن مانعا من الموانع قائم، فلا يقال لمثله أنه كفر، فهو لم يَردّ كلام الله ولا جحد حكمه، وإنما هذا اجتهاد، فإن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر واحد، وهذا لطالب العلم المجتهد لا لمن يتعصب للهوي أو للمذهب.
وعلى هذا أيضا؛ من لم يكفر من كان كفره محل خلاف بين أهل العلم المعتبرين لوجود أدلة ظاهرها عندهم التعارض؛ لا يكفر، لأن عدم تكفيره للكافر هنا ليس تكذيبا لله ولا لرسوله صلى الله عليه وسلم بل هو إتباع لبعض كلام الله أو كلام الرسول لاعتقاد أنه أقوى في الدلالة أو أصرح في العبارة أو أثبت ... ونحوه.
وأقرب مثال على هذا مسألة تكفير تارك الصلاة؛ حيث أخذت طائفة من أهل العلم بظاهر قول النبي صلى الله علية وسلم: (بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة) [1] ، وقوله: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) [2] ، ونحو ذلك من النصوص، فكفروا تارك الصلاة مطلقا، وعلى هذا جمهورهم، بل نقل ابن حزم في المحلى وابن القيم عنه في"كتاب الصلاة"؛ إجماع الصحابة على ذلك.
(1) رواه مسلم في صحيحه عن جابر عبد الله.
(2) رواه الإمام أحمد وأهل السنن، وقال الترمذي: (حديث حسن صحيح، إسناد على شرط مسلم) .