الصفحة 17 من 49

وجاءت طائفة أخرى من الفقهاء عند حديث؛ (خمس صلوات كتبهن الله على العباد من أتى بهن كان له عند الله عهدا أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن، فليس له عند الله عهد، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له) [1] ، فلم يكفروا تارك الصلاة تكاسلا، وقالوا؛ ما دام داخلا في المشيئة فليس بمشرك ولا كافر.

فمثل هؤلاء لا يقال لهم - كما لم تقل لهم الطائفة الأولى -؛ لقد كفرتم لأن من لم يكفر الكافر فقد كفر، لأنهم لم يجحدوا كلام الله تعالى ولا ردوا أحاديث النبي صلى الله علية وسلم القاضية بتكفير تارك الصلاة، لكنهم أولوها على ضوء أحاديث أخرى، فقصدوا التوفيق بين أحاديث ظاهرها عندهم التعارض ... فحالهم أنهم قالوا بمقتضى نص من الشارع ولم يكذبوا أو يجحدوا نصوصه [2] ...

وكذلك من لم يكفر من ظهر منه فعل محتمل للتكفير لا قطعيا فيه، أو أنه قال قولا ليس صريحا في الكفر، وإنما يلزم منه الكفر، فلازم المذهب ليس بمذهب على الصحيح، والتكفير بالمآل محل خلاف بين العلماء، فعدم التكفير في مثل هذا ليس فيه رد أو جحد لكلام الله أو كلام الرسول صلى الله عليه وسلم كما هو مبين.

بخلاف ما لو سئل إنسان عمن يقول: إن الله ثالث ثلاثة؟ وهو يعلم أن الله تعالى يقول: {لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة} ، ويقول: {لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم} ، فقال: هو ليس بكافر، أو لا أكفره! فإنه يكفر بذلك، لأنه جحد ورد نصا قطعيا من كتاب الله تعالى.

ومن لم يكفر كافرا يعلم أن الله تعالى كفره بنص قطعي فقد كفر، لأنه قد جحد كلام الله ولم يقبله ويسلم، ولأنه جعل الكفر من الإسلام، ومن دين الله الذي يقره الله ويرضاه، وقد قال تعالى: {فإن الله لا يرضي عن القوم الفاسقين} .

وعلى هذا فَقِسْ، تُصِب إن شاء الله.

(1) رواه الإمام أحمد في مسنده [5/ 315 و 319] عن عباده بن الصامت، ورواه أيضا الإمام مالك في الموطأ [1/ 132] في كتاب صلاة الليل، باب الأمر بالوتر، وأبو داود [1420] ، في الصلاة، باب فيمن لم يوتر، والنسائي [1/ 230] ، وابن ماجه [1401] ، وهو حديث صحيح.

(2) هذا إذا خالفوا في الحكم على تاركها فقط، لكن إذا أداهم اجتهادهم الخاطئ هذا إلى ترك الفرائض وترك الصلاة، فلا يمنع من تكفيرهم كونهم يعتقدون عدم كفر تاركها، كما سيأتي عن إسحاق بن راهويه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت