ويوسف عليه السلام في غياهب السجون يخطف ويشد أهل السجن بأخلاقه النبوية الكريمة حتى انهم شهدوا له قائلين: {إنا نراك من المحسنين} يدعوهم ويخاطبهم قائلًا: {يا صاحبي السجن ءأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار} ، ولذلك لما كلمه الملك ورأى رجاحة عقله وعظيم أخلاقه وبديع أسلوبه وحجج دعوته تأثر - ليس بصورته وجماله إذا أوتي شطر الحسن - بل بكلامه وأسلوبه تأثرًا عظيمًا دفعه إلى تقريبه وتمكينه قال تعالى: {فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين امين} .
وعلى هذا سار المصلحون الذين فقهوا دعوة الأنبياء، فتأمل دعوة مؤمن آل فرعون مع قومه وخطابه لهم: {يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب * مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلمًا للعباد * ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد * يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم ومن يضلل الله فما له من هاد} . إلى قوله: {ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار * تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار} .
وهذا كله تعليم لنا، كيف نخاطب أقوامنا في الدعوة إلى الله، فالحكمة والموعظة الحسنة والقول اللين، وإظهار الحرص على هدايتهم وإنقاذهم، كل ذلك ظاهر واضح في دعوة الانبياء والمرسلين وأتباعهم، وشتان بينه وبين خطاب الاحتقار والإستعلاء والسب المجرد الذي يصدر عن كثير من الدعاة في غير موضعه وأوانه، فما يزيد أقوامهم إلا نفورا.
وقد قال تعالى في وصف أهل هذه الدعوة: {تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوًا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين} .
فالمؤمن وإن كان هو الاعلى بإيمانه العزيز بإسلامه، لكنه متواضع بأخلاقه لا يعرف الكبر بل ينظر إلى المنحرفين نظرة المشفق عليهم الحريص على هدايتهم، والمشفق على نفسه أن يتخلى الله عنه فيصير مثلهم، متذكرًا قوله تعالى: {كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم} .
ورحم الله تعالى ابن القيم إذ يقول:
واجعل لقلبك مقلتين كلاهما ... من خشية الرحمن باكيتان
لو شاء ربك كنت أيضًا مثلهم فالقلب بين أصابع الرحمن