نلتفت إليهم لإفلاسهم من الأدلة، ويجيب عقلائهم؛"لا، بالطبع لا يجوز، لأنه يقدر عليه بدون قتل النفس، فما الداعي لقتلها؟".
فنقول إذا لا بد للمسألة من ضوابط، ومن المجازفة كل المجازفة، أن تجعل هذه الطريقة مثل أي وسيلة أخرى من وسائل القتال، وبالتالي فتح الباب على مصراعيه دون ضوابط شرعية، وخصوصًا أن الأدلة الشرعية الظنية الدلالة التي أوردها لا تسعفهم في تقرير ما ذهبوا إليه، فاستدلالهم بنصوص القتال العامة في مسألة مخصوصة بعينها غاية في الضعف، لأن دلالة النص العام على فرد من أفراده دلالة مخصوصة بلا قرينة، هي دلالة ظنية كما قرره علماء الأصول.
ومعلوم ان الجهاد في سبيل الله عبادة، بل هو من أشرف العبادات، ومعلوم أن؛"الأصل في العبادات المنع حتى يأتي دليل صريح صحيح يشرع"، لقوله تعالى: {ولا تقفُ ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا} ، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد) [1] .
فيحتاج من جعل قتل النفس في الجهاد على إطلاقه مشروعًا كأي وسيلة من وسائل الجهاد الأخرى إلى دليل صريح صحيح يشرع ذلك، وليست تلك الآيات العامة في قتال الكفار أدلة صريحة ولا ظاهرة في الدلالة على المراد، بل هي كاستدلال بعض جهال الصوفية لبدعة السماع التي يذكرون الله فيها بالرقص والدف والغناء، بعموم قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرًا كثيرًا} ، وبعموم قوله تعالى: {واذكروا الله كثيرًا لعلكم تفلحون} ، ونحو ذلك من الآيات.
وقد قال تعالى: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله} ، فذم الله تعالى الذين يتبعون المتشابه ويتركون المحكم، ثم قال عز وجل: {والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا} ، فمدح سبحانه وتعالى وأثنى على من يَردّ المتشابه المشكل إلى المحكم ليعرف مراد الله منه، ووصفها بأنها طريقة الراسخون في العلم ... جعلنا الله واياك منهم.
فالمحكم في آيات القتال المذكورة، أن يقتل المسلم عدوه أو يقتل بيد عدوه بعد المدافعة والدفع، وأما قتل المسلم نفسه بنفسه - كوسيلة للقتال - فهو من المتشابه الذي يجب أن
(1) رواه مسلم في صحيحه عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، حديث رقم [1718] .