يكون له دليل شرعي صريح حتى يُستثنى من عموم النصوص المانعة عن قتل النفس أولًا، ثم دليل صريح آخر يجعله وسيلة مشروعة من وسائل القتال.
ولقد قال تعالى: {يا أيها الذين أمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد ... } ، إلى قوله تعالى: {فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم} ، فسمى الله عز وجل قتل النفس المعصومة أيًا كانت بغير حق {عدوانًا} بنص التنزيل، وقال تعالى في قتال الكفار: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} .
وهذه الآية وإن قيل أنها منسوخة بـ"آية السيف"، فالنسخ المقصود عند من قال به هو"منع قتال غير المعتدين"، حيث أصبح قتال المشركين كافة، المعتدين والغير معتدين، أما الدلالات الأخرى الموجودة في الآية فلم يقل بنسخها أحد من العلماء، ولذلك احتج ابن عباس رضي الله عنه بقوله تعالى: {ولا تعتدوا} ، قال: (لا تقتلوا النساء والصبيان ... ) .
ولنا أن الله تعالى استثنى من قتال الكفار كل ما يسمى اعتداء في القتل والقتال، فنسخ من ذلك ما تقدم، وبقيت جميع أنواع الاعتداء الأخرى مذمومة ممنوعة، ومن ذلك ما تقرر في الآية السابقة من قتل النفس المسلمة المعصومة فقد وصفه الله تعالى بالاعتداء {فمن اعتدى} ، فخرج قتل النفس من أن يكون منهجًا أو طريقة أو وسيلة من وسائل القتال، إلا لضرورة - كما قدمنا - إذ الضرورات تبيح المحظورات ...
احتجاج البعض بفعل الغلام في قصة أصحاب الأخدود، والرد عليه:
ثم إني سمعت البعض يحتج لجواز قتل النفس مطلقًا في مثل هذه العمليات دون قيد أو شرط، بفعل الغلام في قصة أصحاب الأخدود، والخبر بطوله رواه مسلم في صحيحه.
والجواب عن ذلك من وجوه ...
أحدها: أن ذلك من شرع من قبلنا وليس من شرعنا، وقد قال تعالى: {ولكل جعلنا منكم شرعةً ومنهاجا} ، فما كان في هذا الخبر موافق لشرعنا من دعوة إلى التوحيد والصبر على ذلك، أو كان من الفوائد التي قص الخبر علينا من أجلها قبلناه، وما لم يكن كذلك، بل كان من شرعنا ما يعارضه، فليس بشرع لنا، كتعلم السحر؛ فإنه محرم في شرعنا، وكذلك قتل النفس، فقد كان يشرع لمن قبلنا أن يقتلوا أنفسهم للتوبة مثلًا، كما قال تعالى عن بني اسرائيل: {فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ... الآية} ، فإن كان هذا الغلام قد قتل نفسه