اعلم رحمك الله؛ أنه لما كتبت جوابي على هذه المسألة واطلع عليها بعض أصحاب السجن جاءتني ورقة من بعض الناصحين، ذكر فيها كلامً عن أصول البحث الشرعي، وضرورة معرفة واقع الفتوى والنظر في الأدلة الشرعية وأشياء حول ذلك مما هو معلوم لكل من كتب وبحث، ولا خلاف فيه، ثم انه فرق بين قتل النفس مجردًا، وبين قتلها بفعل الإنسان نفسه في قتال العدو، وجوز الثاني محتجًا بنصوص عامة ظنية الدلالة في مقابل النصوص القطعية المحرمة لقتل النفس مطلقًا، فذكر قوله تعالى: {واقتلوهم حيث ثقفتموهم} ، وقوله عز وجل: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله،} ، وقوله تعالى: {قاتلوا الذين يلونكم من الكفار} ، وقال أنها أدلة عامة دون تخصيص مطلقة دون تقييد، ثم قال: (وعليه فكل قتال للعدو الكافر المحارب فعلًا - بأية وسيلة من وسائل القتال وإن كانت تفجير النفس لقتلهم - كل ذلك يقع تحت مدلول الأدلة السابقة) أهـ.
ثم ذكر ان: (سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه تبين كيف كان المسلمون يندفعون لقتال العدو ويتسارعون للشهادة حتى أن بعضهم كان يندفع خلال صفوف العدو وحده أو يقذف من فوق سور الحصن، وهذا مستفيض مشهور في مواضع غنية عن البيان) أهـ.
فأقول: أما كلامه الأخير حول الإندفاع في قتال العدو والتسابق للشهادة؛ فقد قدمناه لك، ولا خلاف فيه، وهو تكثر بما هو خارج عن محل النزاع، وقد ذكرنا أن لا حرج في ذلك، وإنما الحرج في قتل المسلم نفسه بيده لا بيد عدوه [1] .
وأما جعله قتل النفس وسيلة كسائر وسائل القتال؛ فهو ما لم يسبقه فيه أحد من أهل العلم المعتبرين، وقد كنا نسأل المخالفين ... فنقول؛ المحارب الواحد المقدور على قتله بالمسدس أو نحوه، أيجوز تفجير النفس لقتله؟! فيجيب جهالهم بعناد؛"نعم يجوز ذلك!"، فلا
(1) راجع صحيح مسلم؛ باب غزوة خيبر، قصة قتل عامر بن الأكوع نفسه، حيث كان سيفه قصيرًا فتناول ساق يهودي ليضربه فرجع ذباب سيفه فأصاب ركبته فمات منه ... وفي الحديث قول سلمة: (زعموا ان عامرًا حبط عمله) ، وفي رواية: (يقولون: بطل عمل عامر قتل نفسه) ، وفي رواية أخرى قال سلمة: (يارسول الله أن أناسًا ليهابون الصلاة عليه، يقولون؛ رجل مات بسلاحه) ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كذب من قاله إن له لأجرين) .
فتأمل هيبة الصحابة من هذا الأمر، وخوفهم من الدعاء له، وتخوفهم من حبوط عمله، لأنه قتل نفسه بسلاحه خطأ! فكيف بمن قتل نفسه عامداَ؟! ومنه تعرف؛ أن الأمر ليس بالهين، ولا يغني فيه الكلام الحماسي العاطفي، بل لا بد من الكلام العلمي الرصين.