ونحن نقول دائمًا؛ إن الأخ الموحد الذي يصل في التربية والإعداد إلى هذه المراحل المتقدمة، هو في الحقيقة جوهرة فريدة في مثل هذا الزمان، لا ينبغي لقيادته إن كانت عاقلة أن تفرط به لأجل حذاءين أو ثلاثة أو نحوههم من علوج الشرك وعساكرهم، ممن يمكن ان يقضى عليهم بغير هذه الطريقة، ممن أمكن قتله بالبندقية والمسدس والقنبلة أو السيارة المفخخة دون قتل النفس، فأي دليل من أدلة الشرع يجيز لأجله قتل النفس؟!
هذا وقد استدل بعض المتسرعين الذين لا يعرفون طرق الاستدلال ولا يملكون ادواته بأدلة لا تنتهض للاحتجاج في هذا الباب، فذكروا قوله تعالى في مدح المؤمنين: {يقاتلون في سبيل الله فيَقتلون ويُقتلون} ، وذكر الرجل يغير على الجيش وحده، وقصة الصحابي الذي طلب من أصحابه أن يرفعوه على درع فيقذفوه إلى داخل حصن الكفار ليفتح لهم الباب.
وحديث أسلم أبي عمران قال: (حمل رجل من المهاجرين بالقسطنطينية على صف العدو حتى فرقه، ومعنا أبو أيوب الأنصاري فقال الناس: ألقى بيده إلى التهلكة، يريدون قوله تعالى: {وانفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيدكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين} ، فقال أبو أيوب:"إنما تؤولون هذه الآية هكذا، أن حمل رجل يقاتل يلتمس الشهادة، أو يبلى من نفسه!، نحن أعلم بهذه الآية إنما أنزلت فينا") ، فذكر أن المراد بالتهلكة الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد [رواه أبو داود والترمذي وغيرهما] .
ومثل ذلك ما رواه الحاكم عن ابي اسحاق السبيعي: (قال رجل للبراء ابن عازب: إن حملت على العدو وحدي فقتلوني، أكنت ألقيت بيدي إلى التهلكة؟ فقال له: قال الله لرسوله: {فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك} ، إنما هذه في النفقة) ، وفي رواية الترمذي: (لكن التهلكة أن يذنب الرجل الذنب فيلقي بيده إلى التهلكة فلا يتوب) .
كما ذكروا في أدلتهم حديث: (سيد الشهداء حمزة، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله) .
هذا غاية ما استدلوا به وكله لا يصلح في الاحتجاج به في محل النزاع.
فقوله تعالى: {فيَقتلون ويُقتلون} ، فرح هؤلاء بقوله تعالى: {ويُقتلون} - بضم الياء - مع أنها لا تدل دلالة صريحة على قتل نفسه بل على قتل أعداء الله له، ولو دلت فإنها دلالة ضعيفة ظنية محتملة، وكان أولى لهم أن يحتجوا بقوله أولا: {فيقتلون} - بفتح الياء - ثم يقولون: هو عام في قتلهم لغيرهم ولأنفسهم، وهذه الطريق من الإستدلال هي بضاعة المفلسين، فهؤلاء لما أفلسوا من الادلة القطعية الصريحة، صاروا إلى هذه الدلالة الضعيفة،