الصفحة 35 من 49

فأكثر ما يقال في هذا الدليل مع التنزل والتساهل لهم، أنه نص محتمل، وهو مقيد بالنصوص القطعية الصريحة الدلالة، المتقدمة في تحريم قتل النفس والنص المحتمل الظني الدلالة لا يجوز أن تعارض به النصوص القطعية الصريحة، كما ان الدليل إذا تطرق إليه الإحتمال بطل به الاستدلال لأن الجزم بالاحتمال يفتقر للدليل، وعلى كل حال فهو على تفسيرهم من قبيل المتشابه فيجب رده إلى النصوص المحكمة البينة التي تحرم قتل النفس، والله تعالى أعلم.

أما قصة الصحابي الذي ألقي به في الحصن؛ فيجب على المحتج بها أولا: أن يثبتها، فقد قيل؛"ثبت العرش ثم انقش، أي: أثبت صحة الدليل ثم استدل ولا يصح النقش قبل تثبيت العرش [1] ، فإن أثبتوها بالإسناد الصحيح، قلنا لهم: هي فعل صحابي، ومعلوم أن فعل الصحابي ليس حجة في محل النزاع، قال تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} ، ولم يقل إلى الصحابة، والإستئناس بأفعالهم شيء، والاستدلال بها في محل النزاع واعتبارها حجة شرعية شيء آخر، فكيف إذا جاءت هذه الأفعال معارضة لنصوص صريحة قطعية الثبوت، قطعية الدلالة، كالنصوص المتقدمة في النهي عن قتل النفس، هذا على افتراض أن فعله كان قتلًا للنفس ونحن لا نسلم بذلك، فإن قالوا؛ إنه إجماع سكوتي من الصحابة، قلنا لهم: أنى لكم إثبات ذلك، ومعلوم أن الإجماع السكوتي حجة ضعيفة ظنية فيها إختلاف كبيرًا، فكيف إذا جاء هذا الإجماع المزعوم معارضًا للنصوص القطعية الصحيحة، ثم لا بد للإجماع عند القائلين به من مستند شرعي، وهو الحجة لا سواه، وهذا المستند الصريح الصحيح هو الدليل الذي ما زلنا نطالبكم به أصلا وتفتقرون إليه، ثم يقال لهم أخيرًا؛ أن القصة التي تحتجون بها تبين أن الصحابي لم يرد بفعله ذلك قتل نفسه بل أراد فتح الحصن للمسلمين [2] ، وزعمهم أن احتمال موته كان كبيرًا ليس هو محل النزاع، فالأدلة"

(1) وقد راجعت هذا الأثر فوجدته في تاريخ الطبري [3/ 290، 294] عن محمد ابن اسحاق وفي"البداية والنهاية" [6/ 268، 325] في قصة مقتل مسيلمة الكذاب، وأما مسندًا فلم أجده فيما هو موجود من كتب السنة في السجن - وهي شحيحة هنا - لكنني وجدته في سنن البيهقي، في كتاب السير [9/ 44] ، حيث رواه بإسناده عن محمد بن سيرين!؛ (أن المسلمين انتهوا إلى حائط قد اغلق بابه فيه رجال من المشركين، فجلس البراء ابن مالك على ترس فقال: ارفعوني برماحكم فألقوني إليهم، فرفعوه إليهم فألقوه من وراء الحائط، فأدركوه قد قتل منهم عشرة) .

(2) ثم تنبه أن المسألة في هذه القصة تنبني عليها مصلحة عظيمة؛ وهي فتح حصن استعصى على المسلمين، وليست هي فقط قتل بعض الكفار الذين يمكن قتلهم بأكثر من طريقة، ومع هذا فقد قال الشافعي في"الأم" [4/ 168] : (اخبرنا الثقفي عن حميد عن موسى أبن أنس عن أنس ابن مالك؛ أن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه سأله: اذا حاصرتم المدينة كيف تصنعون؟ قال: نبعث الرجل إلى المدينة، ونضع له هنة من جلود، قال: أرأيت إن رمي بحجر! قال: إذا يقتل. قال: فلا تفعلوا، فالذي نفسي بيدي ما يسرني أن تفتحوا مدينة فيها أربعة آلاف مقاتل بتضييع رجل مسلم) أهـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت