الصفحة 33 من 49

ومثله حديث النبي في حجة الوداع: (ألا إن دماؤكم واموالكم حرام عليكم؛ كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا هل بلغت اللهم فاشهد) .

قال أبو محمد المقدسي عفا الله عنه: فهذه وغيرها نصوص عامة قطعية الدلالة في تحريم قتل النفس المعصومة، ولا يحل أو يجوز بحال أن يستثنى منها إلا ما استثناه الشرع، والذين يقدمون على تفجير أنفسهم في مثل هذه العمليات مدعون إلى دراسة مثل هذه النصوص والوقوف عندها طويلًا قبل الإفتاء بمثل ذلك أو الإقدام عليه، لأن الغاية عند المسلمين لا تبرر الوسيلة، فلسنا ميكافيليين [1] ، ولا بد للوسيلة أن تكون مشروعة كالغاية، وليعلموا ان الحق ليس مع المذهب الأشد، بل مع الأسد الموافق للأدلة، وليتذكروا أن المرء لا يملك سبعة أرواح يجرب شيء منها هنا وشيئًا هناك، بل هي نفس واحدة فليحرص على أن يبذلها في طاعة الله ومرضاته على بصيرة من أمره.

وللأسف الشديد فإني لم أطلع على دراسات علمية واعية راشدة لمن يقومون بمثل هذه العمليات، فغالبهم يدفعهم العاطفة والحماس دون مراعاة الدليل الشرعي، بخلاف إخواننا بمصر والجزائر، فإن لهم في هذه الأبواب فتاوى ودراسات، ولذلك قلما تجد مثل هذه العمليات عندهم، مع أنهم ينكلون بأعداء الله أحيانًا أكثر وأشد من تنكيل أصحاب هذه العمليات، فإن العلم الحديث ووسائله قد أفادهم امورًا يحفظون بها دماء إخوانهم الموحدين ويوفرونها لأعظم مصلحة وأكبر مدة ممكنة، فهناك ساعات التوقيت ومصائد المغفلين والمشاعل والألغام الإعثارية والضاغطة والصواعق الكهربائية وأقلام التوقيت وأجهزة التحكم عن بعد"الرمونت كنترول"والخلايا الضوئية ونحوها، مما لم يعد يعجز عنه ممن يقف خلف أمثال هذه العمليات.

وهو يجعل المفتي الذي يعرف خطورة الفتوى، وأنه توقيع عن الله يتوقف طويلًا قبل القول بجواز تلك العمليات التي يقتل المسلم نفسه فيها دون ضرورة حقيقية، إذ أن هذه الإمكانات توسع آفاق العمل عند المجاهدين، وما دام هناك طريق إلى حفظ وحقن دماء الموحدين وجب الاخذ بها، فإخواننا المجاهدون المتبصرون في شتى بقاع الأرض يشركون الطرود والرسائل والحقائب ويفخخون السيارات ونحوها بشيء من هذه الوسائل، وينكلون باعداء الله أشد التنكيل، بأقل الخسائر بصفوف الموحدين، وليست الشهادة خسارة، وإنما الخسارة كل الخسارة في مخالفة الحكم الشرعي والموت على غير بصيرة.

(1) نسبة إلى"نيكولا ميكافيلي"صاحب كتاب"الأمير"، ومن اشهر قواعده التي قعدها للأمراء لأجل تثبيت عروشهم؛"الغاية تبرر الوسيلة".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت