الصفحة 26 من 49

فالقول بأنه يعذر بالجهل مطلقًا أو لا يعذر بالجهل مطلقًا كلاهما مجازفة، والصواب التفصيل، ويهمنا هنا من ذلك كله؛ الشرك بالله وعبادة غيره وإتباع دين وشرع غير دينه وشرعه أو الطاعة في التحليل والتحريم والتشريع ... ونحو ذلك، فهذا كله لا يعذر الجاهل به، لأنه من أصل الدين - التوحيد - الذي جاءت الرسل كافة من أجل دعوة الناس إليه وتقريره والتحذير من ضده - الشرك - وسد ذرائعه، وقد أقام الله تعالى فيه حجته البالغة من أبواب شتى.

1)الأدلة الكونية الظاهرة على وحدانيته؛ إذ يستدل بربوبيته سبحانه على وحدانيته، فالذي خلق وصور ودبر هو وحده الذي يجب أن يعبد ويشرع، ولا يجوز شرعا ولا عقلا أن يصرف شيء من العبادة لغيره، {ألا له الخلق والأمر} .

2)قد أخذ سبحانه الميثاق على بني آدم في ذلك حين استخرجهم من ظهر أبيهم آدم كالذر، قال تعالى: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون} ، والأحاديث في هذا المعنى صريحة صحيحة.

3)وقد فطر الله الناس على التوحيد وغرس ذلك في قلوبهم، كما في الحديث: (ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه أو يمجسانه ... ) [1] ، فالخلق جميعًا مستقر في نفوسهم أن الخالق الرازق وحده المعبود المشرع، وفي الحديث القدسي: (إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم فحرمت عليهم ما أحللت لهم ... ) .

4)ومع ذلك كله، فقد أرسل الله سبحانه مئات الرسل جميعهم يدعون إلى هذا الأصل العظيم ويحذرون من ضده، قال تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} ، وقال سبحانه: {رسلًا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} .

5)وأنزل سبحانه الكتب جميعًا؛ تدعوا إلى هذا الأصل العظيم وتوضحه وتحذر من الشرك، وختمها بكتاب لا يبلى ولا يبيد، وتكفل سبحانه بحفظه وعلق النذارة به وببلوغه، فقال تعالى: {وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ} ، وقال سبحانه وتعالى: لم يكن

(1) رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، حديث رقم [1293] ، وفي رواية لمسلم زاد: (أو يشركانه) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت