الصفحة 25 من 49

الصالحات جناح فيما طعموا، فروجعوا بذلك فاعترفوا بتحريمها فتابوا، فأقيم عليهم حد الشرب.

وفي رواية للخلال: (ان عمر رضي الله عنه استشار عليًا فيهم؟ فقال: أرى انهم قد شرعوا في دين الله ما لم يأذن الله فيه، فإن زعموا أنها حلالًا فآقتلهم فقد أحلوا ما حرم الله، وإن زعموا أنها حرامًا فاجلدهم ثمانين ... ) .

فتأمل كيف أنه لم يعذرهم بهذا التأويل وذلك الاستدلال، لأن تحريم الخمر مما علم بالدين بالضرورة واشتهر، وفي هذه فائدة أن التأويل في أبواب التشريع مع الله تعالى واتخاذ غيره أربابًا غير مقبول.

وأن من التأويل غير المستساغ ما يؤدي إلى الكفر كهذا، وكمن يجوز تولي الكفار وحبهم لمجرد كونهم من آل البيت، مستدلًا بقوله تعالى: {لا أسألكم عليه أجرًا إلا المودة في القربى} [1] ، فمن فعل هذا وأهمل قوله تعالى: {لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوآدون من حادَّ الله ورسوله ولو كانوا آباءهم ... الآية} ، فقد كفر، ولم ينفعه تأويله الفاسد.

والألفاظ الكفرية التي تصدر عن كثير من الناس، إنما يقبل فيها التأويل، فيكون مانعًا من تكفير صاحبها أن كانت تحتمل التأويل، أما إن كانت صريحة في الكفر، كسب الله تعالى أو استحسان الشرك والكفر ... ونحوه، فلا نعمة ولا كرامة لتأويل هنا، لأن"ادعاء التأويل في لفظ صريح لا يقبل"كما نص العلماء [انظر الشفا للقاضي عياض: 2/ 217، والصارم المسلول لابن تيمية: صفحة 527] .

وأما العذر بالجهل ...

فليس صحيحًا أنه لا عذر بالجهل مطلقًا، بل في المسألة تفصيل معروف عند العلماء، فرقوا فيها بين حديث العهد بالإسلام وغيره، وبين أصل الدين والمعلوم بالدين بالضرورة وغير ذلك، بل هناك في فروع الفقه أمور لا يعذر الجاهل بها وأمور أخرى يعذر بها.

(1) وقد كان يستدل بهذه الآية، مدير سجن المخابرات في هذا البلد - الأردن - فكنت أقول له: هنيئًا لأبي لهب بفهمك هذا، بل هي مقيدة بقوله تعالى: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} ، وبآية المجادلة المذكورة، وبقوله صلى الله عليه وسلم: (من أبطأ به عمله لم يعجل به نسبه) ، وقوله: (إن آل فلان ليسوا لي بأولياء إنما وليي الله وصالح المؤمنين) [رواه البخاري ومسلم] ، ونحوه، فلا يجد جوابًا إلا تكرار الآية تفسها، على طريقة أهل الزيغ الذين ذكرهم الله في أول سورة آل عمران.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت