الله على طريقة سلفنا معهم حذو القذة بالقذة، فلا نكفر منهم إلا من لم يكفر كافرًا كفره الله ورسوله بنص قطعي الدلالة قطعي الثبوت، فكان في عدم تكفيره تكذيبًا لكلام الله ووكلام الرسول، أو ترتب على عدم تكفير الكافر عندهم تولٍّ له أو نصرة أو مظاهرة على الموحدين أو تسويغ لدينه الكفري أو مدح لقانونه كفري.
هذا ملخص ما أحببت بيانه لأخواني في هذه العجالة، ولي في ذلك رسالة بعنوان:"الرسالة الثلاثينية في التحذير من أخطاء التكفير"، أسأل الله تعالى أن يعينني على إتمامها وييسر إخراجها، تتبعت فيها هذه القاعدة على ألسنة قائليها من العلماء، فوجدتها قديمة بألفاظ متقاربة، وإن أكثرهم يستعملها فيما يريد بيان خطره من الأمور المكفرة، فيقولون: من قال أو فعل أو اعتقد كذا فهو كافر، بل لا شك في كفر من لم يكفره، لكن لم أرهم في التطبيقات العملية يسلسلون ذلك، فيكفرون من لم يُكفر من كفروه، ومن لم يكفر من لم يكفر من كفروه ... وهكذا.
كما جرى معي في باكستان، فقد كانت موجة تكفير ابن باز واضرابه من علماء الحكومات على أشدها، وكانت مجموعة من غلاة المكفرة يمتحنون الناس بهذه المسألة، فمن كفر ابن باز تركوه ومن لم يكفره كفروه وكفروا من لم يكفره وهكذا.
وقد سألوني عن ذلك فقلت: إنني أترك الخوض في كفر أعيان هؤلاء من باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: (دعه، لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه) [1] ، والناس اليوم بالكاد يستسيغون تكفير الطواغيت وعساكرهم وجيوشهم، ولنا في ذلك شغل عن الالتفات إلى هؤلاء المشايخ المحسوبين على الدعوة والدين، فأرى عدم الانشغال بهم في هذه المرحلة، ويكفيني تحذير الشباب من كتاباتهم وفتاويهم الضالة في أبواب السياسة والبيعة والإمارة والطواغيت وجيوشهم وأوليائهم، وأسأل الله لهم الهداية، وإن أصروا على ضلالتهم فسيسقطون وحدهم، {وكفى الله المؤمنين القتال} .
فلم يرق لهم هذا فكفروني، وكنت اصلي الجمعة بمجموعة من الأخوة الموحدين، فكفروني وكفروا أولئك الإخوة وكل من يصلي خلفي لأنهم لا يكفرونني، وكفروا من لم يكفرهم وهكذا.
(1) رواه البخاري، حديث رقم [4622] ، وانظر للفائدة ولفقه وجه استدلالنا بهذا الحديث كلام شيخ الإسلام في"الصارم المسلول"حول تعليل عدم قتلهم بمفسدة تحدث الناس محمد يقتل أصحابه ومن ثم نفورهم عن الإسلام، وعدم التعليل بالعصمة والإسلام، إذ هي أولى بالذكر والتعليل لو وجدت!