قوله ( عقل على النقل الصحيح مقدم ) يحتاج إلى قيد حتى يستقيم الكلام لكن النظم قد يمنع من القيود ، فالعقل عند أهل السنة إذا كان قطعيًا فإنه يقدم على النقل إذا كان ظنيًا ولهذا قال شيخ الإسلام:
بيان ذلك بتقديم أصل ، وهو أن يقال: إذا قيل: تعارض دليلان سواء كانا سمعيين أو عقليين ، أو أحدهما سمعيًا والآخر عقليًا ، فالواجب أن يُقال لا يخلو إما أن يكونا قطعيين ، أو يكونا ظنيين ، وإما ن يكون أحدهما قطعيًا والآخر ظنيًا .
فأما القطعيان فلا يجوز تعارضهما: سواء كانا عقليين أو سمعيين ، أو أحدهما عقليًا والآخر سمعيًا ، وهذا متفق عليه بين العقلاء ، لأن الدليل القطعي هو الذي يجب ثبوت مدلوله ولا يمكن أن تكون دلالته باطلة .
وحينئذ فلو تعارض دليلان قطعيان ، وأحدهما يناقض مدلول الآخر ، للزم الجمع بين النقيضين ، وهو محال ، بل كل ما يعتقد تعارضه من الدلائل التي يعتقد أنها قطعية فلابد من أن يكون الدليلان أو أحدهما غير قطعي ، أو أن لا يكون مدلولاهما متناقضين ، فأما مع تناقض المدلولين المعلوميين فيمتنع تعارض الدليلين.
وإن كان أحد الدليلان المتعارضين قطعيًا دون الآخر فإنه يجب تقديمه باتفاق العقلاء ، سواء كان هو السمعي أو العقلي ، فإن الظن لا يرفع اليقين .
وأما إن كانا جميعًا ظنيين: فإنه يصار إلى طلب ترجيح أحدهما ، فأيهما رجح
كان هو المقدم ، سواء كان سمعيًا أو عقليًا (1) .
وقال أيضًا: لا نسلم انحصار القسمة فيما ذكرته من الأقسام الأربعة ؛ إذ من الممكن أن يقال: يقدم العقلي تارة والسمعي أخرى ، أيهما كان قطعيًا قدم ، وإن كان جميعًا قطعيين ، فيمتنع التعارض ، وإن كانا ظنيين فالراجح هو المقدم فدعوى المدعي أنه لابد من تقديم العقلي مطلقًا و السمعي مطلقًا أو الجمع بين النقيضين أو رفع النقضين - دعوى باطلة ، بل هنا قسم ليس من هذه الأقسام ، كما ذكرناه بل هو الحق الذي لا ريب فيه (2) .