وإفساد للنظرة، ونزوع للشهوات، وميل شديد إلى الظلم واستعباد الشعوب وإشعال الحروب، ما هو إلا حصادٌ سيِّئ لانفلات العقل، وفساد الفكر، واتّباع الهوى. قال تعالى: {أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} (فاطر:8) .
2 -من خصائص دعوة الإسلام
وسطيّة الدعوة وملاءمتها للفطرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد:
إنّ من خصائص الدعوة إلى الله: أنها تقوم على التّوسّط والاعتدال ومراعاة وملاءمة الفطرة الإنسانية، فلا تميل للغلوّ، ولا تجنح للتشرّد، وتنأى عن الإفراط والتفريط. فهي تراعي العدل في التشريع، والوسطيّة في العقائد والعبادات؛ قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} (البقرة:143) .
فمعنى الوسط في الآية، أي: عُدولًا لتتوافر في المسلمين الشهادةُ على الأمم السابقة.
أو معنى الوسط: الوقوع في المنتصف بين الأمريْن، فتعاليم الإسلام وسط في الأحكام لا تُلحِقُ بالإنسان مشقّة، ولا تُنْزِل به حرجًا، ولا تُسبِّب له ضيقًا أو عنتًا. قال تعالى: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (المائدة:6) .
إنّ السماحة والرحمة والتوسط والاعتدال هي من أخلاق الرسول -صلى الله عليه وسلم- ومعْلَم ظاهر في شخصيته.
فقد روى البخاري عن أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- قالت: (( ما خُيِّر رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بيْن أمريْن إلاّ اختار أيسرَهما ما لم يكن إثمًا. فإن كان إثمًا كان أبعدَ الناس منه ) ).