والدليل قوله تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا} [1] .
(1) فائدة: فتضمنت هذه المسألة أمرين:
الأول: أن الله تعالى وحده هو الذي خلقنا فأحسن خلقنا وهيأنا وهدانا لما خلقنا له ورزقنا لحكمة عظيمة: هي أن نعبده - بما شرع وعلى الوجه الذي شرع - وحده لا شريك له ففعل سبحانه وتعالى أمرين هما: الخلق والرزق؛ لنفعل نحن أمرًا واحدًا هو عبادته وحده، وهو تعالى غني عنا وعن عبادتنا ولكنه تعالى أمرنا بعبادته ليسعدنا في الدنيا والأخرى؛ لأن عبادة الله تعالى سعادة في العاجلة ورفعة عند الله جل وعلا في الآخرة. فإن من عبد الله تعالى في هذه الدنيا بما شرع وعلى الوجه الذي شرع كان أهلًا لمجاورة الله تعالى في الآخرة في الجنة دار رحمته وموضع كرامته ومثوبته فعبادة الله تعالى وفق شرعه في الدنيا دليل على اختيار الله تعالى للعبد عن علم ليكون من مجاوريه في الآخرة أهل جنته وكرامته في الآخرة، وتركها دليل أن تارك العبادة ليس أهلًا للكرامة بل هو جدير بالعذاب والإهانة. فالعبادة علامة الاجتباء ومعيار الاصطفاء.
الثاني: أنه تعالى لم يتركنا هملًا لا ندري كيف نعبده أو نعبده بأهوائنا وأمزجتنا أو استحسان غيرنا؛ بل أرسل إلينا رسولًا يبلغنا ديننا الذي شرعه الله لنا لنعبده به، وليبين لنا كيفية عبادته ويكون قدوة لنا في تحقيق عبادته، فالعبادة على وفق الشرع تحقق الفرقان بين عباد الرحمن وعباد الشيطان، ويتميز الأبرار أهل الجنة عن الفجار أهل النار، فمن أطاع الرسول واتبعه دخل الجنة، ومن أعرض عنه وعصاه دخل النار، فببعثة الرسول وبيانه قامت الحجة واتضحت المحجة وزالت المعذرة، واستحق المثوبة والعقوبة، ووجب العمل.