تجمل في «1» أن للجزئيات في العالم العقلي نقشا على هيئة كلية، وأن في العالم النفساني نقشا على هيئة جزئية شاعرة بالوقت أو النقشين معا.
وأما موقف النفس هنا فإنها: لها أن تنتقش بنقش ذلك العالم وذلك بحسب الاستعداد وزوال الحائل، فإذا تم لها ذلك فلا يستنكر أن ينتقش في النفس بعض الغيب من عالمه.
إن مجمل هذه النقاط تمثل ملامح تصور شمولي للوحي عند ابن سينا ونجد فيها التقاء مع ما ذهب إليه الفارابي وإن لم يعدم الاختلاف بينهما.
وقد فصل د. محمد علي أبو ريان بين الموقفين في «2» :
أن الفارابي يرى أن النفس تتصل بالعقل الفعال لتطّلع على المغيبات ويكون الاتصال عن طريق المتخيلة.
أما ابن سينا فيرى أن المغيبات منقوشة في لوح محفوظ بما في ذلك الماضي والحاضر والمستقبل، وأن النفس إذا نشطت استطاعت قراءة هذا اللوح والاطلاع على المغيبات.
وهما يتفقان في دور المتخيلة وأثرها في نوع الاطلاع وظرفه: فإذا قويت المتخيلة كان ذلك الاطلاع في حال اليقظة، وإذا نشطت فقط ولم تبلغ تلك القوة كان الاتصال في حال النوم. وكون هذا الاتصال في اليقظة هو خصيصة مرتبة النبوة عند ابن سينا.
ويتخذ ابن رشد، أبو الوليد محمد بن أحمد (ت 595 ه/ 1198 م) من البحث في الكلام الإلهي مدخلا إلى فهم الوحي وتحديده.
ففي بحثه في إثبات صفة الكلام للَّه تعالى يرى أن إثبات تلك الصفة يكون (من قيام صفة العلم به وصفة القدرة على الاختراع) «3» . ثم يلتفت من ذلك إلى الكلام من حيث دلالة قيام المتكلم به فيحدده بأنه:
(1) الإشارات والتنبيهات (3 و4/ 866) .
(2) أصول الفلسفة الإشراقية (ص 304) .
(3) الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة، المطبوع مع فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال، (ص 81) تصحيح ومراجعة مصطفى عبد الجواد عمران، المكتبة المحمودية - القاهرة، ط 3 (1388 ه/ 1968 م) .