فهرس الكتاب

الصفحة 173 من 276

وصلة أفعال النحل بهذا التحديد للغريزة واضحة جلية ونص الآية يظهر أن فيها أمرا إلى النحل باتخاذ البيوت وسلوك السبل .. إلخ.

ومن هذا الملحظ ذهب المفسرون إلى أن مخاطبته تعالى لها بالأمر من أحد وجهين «1» :

الأول: أنه لا يبعد أن يكون لهذه الحيوانات عقول ولا يبعد أن يتوجه عليها من اللَّه تعالى نهي وأمر.

الثاني: قال آخرون: ليس الأمر كذلك بل المراد منه أنه تعالى خلق فيها غرائز وطبائع توجب هذه الأحوال.

ثالثا: التسخير:

يرى الراغب الأصبهاني أن من الوحي ما يكون تسخيرا وهذا هو ما يراد من الوحي إلى النحل وهو يعرّف هذا التسخير بأنه: سياقة إلى الغرض المختص قهرا ...

فالمسخّر هو المقيّض للفعل والسخريّ هو الذي يقهر فيتسخّر بإرادته «2» .

وهذا المعنى يتأكد في القرآن الكريم في قوله تعالى: وسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ .. [الجاثية: 13] ، ووَ سَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ [إبراهيم: 33] . وقال تعالى: لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها ولا دِماؤُها ولكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ [الحج: 37] .

وبالنظر في مجمل الآراء والتفسيرات المختلفة للوحي إلى النحل نجدها جميعا تنطلق من معنى واحد يجمع بينها وهو أن ما يعبر عنه بالوحي في الآية إنما يراد به هذه الجبلّة التي يتصرف بها هذا الحيوان العجيب بما أودعه اللَّه فيه من فطرة يهتدي بها في شئون مسكنه وغذائه ومختلف نواحي حياته. ولا شك أن هذا المعنى يمثل إلهاما إلهيا ينعكس غريزة عند الحيوان تنطبع بها تصرفاته تتبين الحكمة منه في تسخيره تعالى لهذا الحيوان كما هو في سائر جنسه ليؤدي هذا الدور الذي يؤديه وهو الذي عبرت عنه الآيات الواردة بعد آية الوحي للنحل بالمنافع التي خصّصت بما تتضمن من شفاء للناس.

(1) مفاتيح الغيب (20/ 72) .

(2) المفردات (ص 515) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت