ثم حدثت مرحلة انتقالية بين هذا الزهد المشروع وبين التصوف حين أصبح له تآليف خاصة, ويمثل هذه النقلة مالك دينار فنراه يدعو إلى أمور ليست عند الزهاد السابقين, منها التجرد أي ترك الزواج, وهو نفسه امتنع عن الزواج وكان يقول:"لا يبلغ الرجل منزلة الصديقين حتى يترك زوجته كأنها أرملة ويأوي إلى مزابل الكلاب" (1) . ويقول:"إنه لتأتي عَلَيّ السنة لا آكل فيها لحمًا إلا في يوم الأضحى, فإني آكل من أضحيتي" (2) . وكثيرًا ما يقول: قرأت في بعض الكتب, قرأت في التوراة,ويروى عن عيسى عليه السلام:"بحق أقول لكم, إن أكل الشعير والنوم على المزابل مع الكلاب لقليل في طلب الفردوس"أو قوله:"أوحى الله إلى نبي من الأنبياء"أو"قرأت في الزبور ..." (3) .
فمن الواضح ومن خلال قراءة ترجمته في كتب الطبقات أنه متأثر بما ترويه الكتب القديمة عن الزهاد والرهبان .. ومن الواضح أن هذه الكتب قد حرفت ولسنا مأمورين بقراءتها بل منهيون عن الأخذ منهم وتقليدهم.
(1) سير أعلام النبلاء 8/156, عبد الرحمن بدوي: تاريخ التصوف 198ـ حلية الأولياء 2/359. وقد علق محقق السير الشيخ شعيب على هذا الكلام فقال:"منزلة الصديقين لا تنال بهذا النسك الأعجمي المخالف لما صح عنه صلى الله عليه وسلم من ترك التبتل والرهبنة".
(2) تاريخ التصوف /193.
(3) انظر ترجمة في حلية الأولياء 2/357 .