الوجه الثاني أن يقال لم يثبت ان الامام مالكا كان ينشد هذه الأبيات ويترنم بها فضلا عن كونه يتغنى بها كمثل ما يفعل المغنون. ولو فرضنا ان الامام مالكا تغنى بهذه الأبيات مثل ما يفعل المغنون فليس في فعله دليل على حل الغناء والمعازف لان الحجة فيما جاء عن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وما أجمع عليه أهل العلم لا فيما سوى ذلك من أقوال الناس وأفعالهم:
الوجه الثالث انه قد ثبت عن الامام مالك انه كان يذم الغناء ويشدد فيه. قال الامام أحمد رحمه الله تعالى حدثنا اسحاق بن عيسى الطباع: قال سألت مالك بن أنس عما يترخص فيه أهل المدينة من الغناء فقال انما يفعله عندنا الفساق. قال الحافظ ابن رجب وكذا قال ابراهيم بن المنذر الحزامي وهو من علماء أهل المدينة المعتبرين.
واذا كان هذا قول الامام مالك فكيف يظن به أنه كان يغني ويبيح الغناء. حاشاه من ذلك وأبعد الله من رماه بما ليس فيه.
(فصل)
وأما قوله: واخواننا أرباب الطرق الصوفية ألا تراهم يقيمون حلقات الذكر على صوت المغنين ونغمات المزمار وهم الذين يزعمون انهم أقرب الناس الى الله وأحرصهم على حرمات الله.
فجوابه من وجوه: أحدها أن يقال من المعلوم عند علماء أهل السنة والجماعة ان الصوفية من أهل البدع. وقد زاد متأخروهم على ما هم عليه شرا عظيمًا وذلك بالافتتان بالقبور والعكوف عليها وتعظيمها بالبناء والكتابة عليها والتمسح بها واتخاذها مساجد والغلو فيمن تظن فيهم الولاية من الموتى كالبدوي والرفاعي والدسوقي والتيجاني وغيرهم