وفي عهد النبوة فهم بعض الناس التقوى بالتقشف وقهر النفس والجسد، وعندما سألوا عن عبادة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تقالّوها، فنذروا على أنفسهم تكاليف قاسية ما أنزل الله بها من سلطان، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا وأنهم أصابوا التقوى. فلما بلغ خَبرُهم رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - شعر بخطر ذلك الفهم المنحرف، فاتخذ الإجراء الذي تستحقه تلك الظاهرة. فقد روى البخاري عن أنس بن مالك أنه قال:"جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - يسألون عن عبادة النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلما أخبروا كأنهم تقالّوها، فقالوا: وأين نحن من النبي - صلى الله عليه وسلم - ؟ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال أحدهم: أما أنا فأنا أصلي الليل أبدًا. وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر. وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا. فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا ؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني" (1) .
(1) - صحيح البخاري -كتاب النكاح- الحديث 5063