قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين رواه البيهقي
المجتمع ونهضته
إن الباحث حين يستعرض التاريخ البشري ويتأمله بروية وعمق، يجد ظاهرة رئيسة تلفت انتباهه. ألا وهي تفاوت المجتمعات من حيث الرقي والانحطاط، وبعبارة أخرى تفاوتها من حيث النهوض والانخفاض.
فالنصوص التاريخية في حقيقتها هي سجل لحياة المجتمعات البشرية التي عاشت على وجه هذه البسيطة. وحين تقارن بين هذه المجتمعات فإنك تجد فرقًا واضحًا فيما بينها، سواء من حيث النوع أو المستوى، أي سواء من حيث النمط الحضاري، أو من حيث الرقي والانحطاط. بل إننا نطّلع في تلك النصوص على مجهودات بذلها المفكرون والفلاسفة والسياسيون -نظريًا وعمليًا - من أجل النهوض بمجتمعاتهم والسير بها نحو الأرقى، ومنهم من أفلح في تحقيق غايته ومنهم من فشل.
ولا زال هذا الموضوع إلى اليوم يشغل كثيرًا من الباحثين والمفكرين والسياسيين، على اختلاف اتجاهاتهم ومذاهبهم، وسيبقى يشغلهم. ذلك أن الإنسان هو الإنسان في الماضي والحاضر والمستقبل.
ونحن المسلمين لسنا بمعزل عن هذه القاعدة، فإننا منذ فجر تاريخنا استهدفنا الرقي وسعينا إلى إقامة مجتمع راقٍ على أساس الإسلام، وقد أفلح أسلافنا منذ عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في تحقيق هذا الهدف، ولاسيما أن الله سبحانه وتعالى قد أوجبهُ عليهم ورسم لهم سبيله من خلال ما نزل من الوحي على الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فقال تعالى: {وعدَ اللهُ الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكننّ لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنّهم من بعد خوفهم أمنًا يعبدونني لا يشركون بي شيئًا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون} (1) .
أما اليوم وقد أصبح مُجتمعنا بحال من الانحطاط لا يُحسد عليها ولا ينازع فيها عاقل، كان لا بد من العودة من جديد للبحث عن السبيل المؤدي إلى نهضة المجتمع، وليس أيّما نهضة، وإنما النهضة الإسلامية التي هي النهضة الوحيدة الصحيحة.
ومما لا شك فيه أن الإسلام قد رسم للمسلمين سبيل إقامة المجتمع الإسلامي. وبعبارة أخرى رسم الطريق لنهضة مجتمعهم. إلا أن هذه الطريق لا يمكن فهمها وتطبيقها قبل معرفة واقع المجتمع من حيث هو مجتمع. ذلك أن طريقة الإسلام في معالجة المشاكل وإعطاء الحلول هي على النحو التالي:
أولًا: فهم الواقع فهمًا دقيقًا عميقًا للوقوف على حقيقة المشكلة التي تراد معالجتها.
ثانيًا: العودة إلى النصوص التشريعية لفهم النصوص المتعلقة بذلك الواقع وتلك المشكلة فهمًا تشريعيًا، وتكون الغاية معرفة حكم الله في تلك المسألة، وذلك لأخذ المعالجات والحلول من الوحي الذي نزل على الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
(1) - سورة النور-الآية (55) .