المؤرخون وفلسفة النهضة
لقد كانت مسألة النهضة - ولازالت - من المواضيع الأساسية الشاغلة لأغلب المؤرخين والمفكرين: ما هي النهضة؟ كيف تتحقق؟ لماذا نهضت هذه الأمة؟ ولماذا انحطت تلك؟ هل القضية في الدين؟ أو هل القضية في التكنولوجيا والمدنية؟ أو هي قضية فكر وثقافة؟
المؤرخون انشغلوا كثيرًا في محاولة تفسير حركة النهضة والانحطاط منذ التاريخ القديم وحتى التاريخ المعاصر. فيراقبون ما حصل على النحو الآتي:
… في التاريخ القديم، يشهد العالم نهضة مجموعة من الحضارات ثُمّ انحدارَها حتى زوالها كالحضارة المصرية والسومرية والأشورية والبابلية والفارسية واليونانية وغيرها، ويُختم بنهضة عريقة عظيمة، هي نهضة الحضارة الرومانية التي انطلقت من مدينة روما الإيطالية لتجتاح أوربّا ثم حوض البحر المتوسط بأكمله لتجعل من ذلك البحر بحيرة رومانية.
…مع بداية العصور الوسطى - أي خلال القرن الخامس الميلادي - تنهار الإمبراطورية الرومانية لتقوم على أنقاضها في أوربا حضارة العصور الوسطى التي تميزت بالانحطاط والتخلف، وسمّيت بعصور الظلمات، والتي استمرت مخيمة بظلامها على أوربا قرونًا متطاولة حتى العصر الحديث. بينما يشهد الشرق في تلك العصور نهضة عظيمة عريقة، وذلك مع بزوغ شمس الإسلام أوائل القرن السابع الميلادي، حيث توسعت حضارة الإسلام لتشمل في رحابها البلاد الممتدة من الصين شرقًا إلى المحيط الأطلسي غربًا مخترقة أوربا وصولًا إلى حدود فرنسا، بعد أن اجتاحت إسبانيا أو بلاد الأندلس. وتستمر هذه الحضارة قرونًا متطاولة تورف بظلالها على الشعوب الإسلامية، فكان العالم الإسلامي آنذاك قبلة الأنظار ومنارة التائهين والجنة الأرضية في نظر سائر الشعوب.
…في العصور الحديثة، أي مع إطلالة القرن الخامس عشر تبدأ في أوربا بوادر نهضة جديدة تؤتي ثمارها مع بداية التاريخ الغربي المعاصر، أي أواخر القرن الثامن عشر الميلادي، والتي تُعدّ الحضارة الغربية اليوم امتدادًا لها. في الوقت الذي يشهد فيه العالم انحسارًا ملحوظًا للحضارة الإسلامية وانحدارًا للمسلمين باتجاه الانحطاط، حيث وصل العالم الإسلامي إلى الحضيض أواخر القرن التاسع عشر وخلال القرن العشرين.
…وفي القرن العشرين يشهد العالم في بعض البلاد نهضة من نمط جديد لم تستطع أن تعمر أكثر من سبعة عقود، ألا وهي النهضة الشيوعية التي بدأت حياتها سنة 1917م لتموت في أرض انبثاقها قبل أفول القرن العشرين، والتي ربما ضربت رقمًا قياسيًا في قِصر عمر الحضارات، رغم الدور الهائل الذي لعبته في السياسة الدولية خلال القرن العشرين.