إلا أن هذه المعاني كلها ليست هي المقصودة حين يتكلمون عن الروح والروحانية والناحية الروحية في الكون والإنسان والحياة. وإنما يراد معنى آخر هو معنى اصطلاحي، وليس من المعاني اللغوية التي يمكن أن نجدها في معاجم اللغة العربية القديمة. وإذا أراد الباحث أن يدرك معنى اصطلاحٍ ما، فإن عليه أن يدقق في النصوص التي ورد فيه ذلك الاصطلاح ليقف على المعنى الذي رمى إليه أولئك الذين تكلموا به. والمدقق في معظم تلك النصوص يجد أن هؤلاء يستخدمون كلمة الروح أو الروحانية أو الناحية الروحية، للتعبير عما يشعر به الإنسان حين إدراكه لصلته بخالقه عز وجل، فيقال إن المؤمن يشعر بالروحانية حين قيامه بشعائر العبادة من صلاة أو صيام أو حج. وحين يتأمل في ملكوت الله، يشعر بالناحية الروحية. ويشعر بالروح أيضًا حين يسمع الابتهالات والأدعية وحين يدخل دور العبادة وما شاكل ذلك. وهذا المعنى لا صلة له بالروح التي هي سر الحياة، إذ إن هذه الأخيرة تسري في الإنسان المؤمن الذي يشعر بالروحانية وفي الإنسان الملحد المنكر لوجود الله والذي لا يشعر بالتالي بالناحية الروحية أو الروحانية.
وبناء عليه يمكن أن نعرّف الناحية الروحية بكون الشيء مخلوقًا لله سبحانه وتعالى. فالكون والإنسان والحياة، ليست أشياء مكونة من عنصرين هما المادة والروح، وإنما هي أشياء مكونة من مادة فقط ولا يوجد في تركيبها شيء آخر. إلا أنها تتصف بناحية روحية ليست جزءًا من تركيبها، وإنما هي أمر اعتباري، وهو كونها مخلوقة لخالق. فالناحية الروحية في الكون هي كونه مخلوقًا لخالق، والناحية الروحية في الحياة هي كونها مخلوقة لخالق، والناحية الروحية في الإنسان هي كونه مخلوقًا لذلك الخالق سبحانه. والروح - بالمعنى الاصطلاحي الذي نتكلم عنه- هي إدراك الصلة بالله تعالى. فشعور الإنسان بالروح أو الروحانية هو إدراكه لصلته بالله تعالى من حيث إنه مخلوق له وعبد خاضع لقدرته وتدبيره عز وجل.