الصفحة 92 من 188

هذا هو أثر فلسفة المادة والروح تلك على بعض الأمم والشعوب منذ قديم الزمان وحتى يومنا هذا. والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة بعد هذا العرض هو: ما مدى صحة تلك الفلسفة ؟ ثم ما هو رأي الإسلام في هذه المسألة ؟

إن كثيرًا ممن تصدوا لبحث هذا الموضوع من المسلمين، لم يبحثوا المشكلة من جذورها، وظنوا أن خلافهم مع أصحاب تلك الفلسفة ليس هو من حيث الأصل وإنما هو خلاف في التفصيل والتفريع والبناء. أعني أن معظمهم سلموا مع خصومهم بأن الإنسان مكون من جسد وروح، ثم نازعوهم في الكيفية التي يجب أن يعامل بها الجسد والروح، فقال كثير منهم إن الإسلام حافظ على التوازن ما بين الروح والجسد، بحيث أعطى لكل منهما غذاءه وما يتطلبه دون أن يطغى أحدهما على الآخر، فغذى الروح بالإيمان والعبادات والأذكار والقربات، ونظم غذاء الجسد بما شرعه من أحكام المطعومات والملبوسات والزواج وغيرها.

ولكننا نقول: إن معالجة مشكلة حساسة كهذه تتطلب مزيدًا من الدقة والعمق في محاكمة الأفكار والآراء المطروحة فيها. فيُطرح السؤال لمحاكمة الأساس الذي تقوم عليه تلك الفلسفة: هل الإنسان مكون حقًا من المادة والروح ؟

إن الالتباس في المسألة وقع لدى كثير من الناس بسبب ما هو معلوم من أن الإنسان فيه روح، هي سر حياته، بوجودها يحيا وبخروجها يموت. ومن أن الله تعالى يقول: { ونفخت فيه من روحي } (1) ، ويقول: { ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلًا ما تشكرون } (2) . ومن غير ذلك من الآيات والأحاديث التي تتكلم عن الروح وكينونتها في الإنسان. وهكذا سلم كثير من المسلمين لتلك الفكرة التي تقول إن الإنسان مكون من جسد وروح وإن لكل منهما غذاءه.

(1) - سورة الحجر - الآية 29

(2) - سورة السجدة - الآية 9

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت