في العصور الوسطى، عصور التدين، كان من الطبيعي أن تنتصر السلطة الروحية على السلطة الزمنية، إلى حد أذل بعض الملوك والأباطرة ومرغ أنوفهم في التراب، فكان الإمبراطور أو الملك الشرعي هو ذلك الذي يقلده بابا روما سلطة الحكم على الرعايا فيحكم الملك رعاياه بتفويض إلهي تمثل في التقليد العلماني الذي ناله من رأس الكنيسة الكاثوليكية، والويل للملك أو الأمير الذي ينزل به غضب الكنيسة ويصدر بحقه قرار حرمان كنسي. وكان نجاح الحروب الصليبية التي حض عليها أحبار روما العظام - وقد استهدف معظمها بلاد المسلمين في الشام وشمال إفريقية - من العوامل التي عززت موقع الكنيسة وسلطتها على أوربّا في العصور الوسطى. إلا أن القرون توالت لتوهن من قبضة الكنيسة وليعود الملوك والأمراء للتفلت من عقالها من جديد. فمع أفول نجم الحروب الصليبية واستنفاد أغراضها، عادت كفة السلطة الزمنية ترجح على كفة السلطة الروحية، وفي العصور الحديثة - أي بين بداية القرن السادس عشر ونهاية القرن الثامن عشر - ضعف تأثير الدين إلى حد ما على المجتمع وسطع نجم فلاسفة"التنوير"، في أوربّا، وفقدت الكنيسة ذلك السلطان الذي نعمت به خلال العصور الوسطى، وأصبحت مجرد مبرر لسلطة الملوك والأمراء الحاكمين. ومع بداية القرن التاسع عشر تم فصل الدين عن المجتمع والدولة نهائيًا، وأقصيت الكنيسة عن التدخل في شؤون السياسة والحكم، وأصبحت مهمتها قاصرة على الكهنوت وشؤون العبادة والزواج وما شاكلها، وأصبح للكنيسة دولة الفاتيكان الروحية التي تتولى رعاية الشؤون الكهنوتية للنصارى الكاثوليك في العالم كله.
وهكذا توزعت رعاية شؤون الناس بين سلطتين منفصلتين، سلطة تحكم المجتمع وعلاقاته وتسيّر شؤون السياسة الداخلية والخارجية، وسلطة تتولى رعاية الشؤون الدينية والكهنوتية بمعزل عن السلطة الزمنية.