الصفحة 9 من 188

وكان من الواضح أن التأثير الثقافي والفكري والحضاري الذي كرسه الغزو السياسي الغربي للعالم الإسلامي، كان له النصيب الأكبر في توجيه تلك الأطروحات والجهود. وكان وصول أناس صُنعوا على عين الحضارة الغربية وسياسة دولها إلى سدة الحكم، عاملًا في قيام المؤسسات التربوية والتعليمية والإعلامية والثقافية والتوجيهية، الرسمية منها وغير الرسمية، على أساس الحضارة الغربية. فكانت معظم الأطروحات التي ناقشت مسألة النهضة والارتقاء ووضعت لها التعاريف والفلسفات والأسس والتفاصيل، متأثرة بشكل أو بآخر بالحضارة الغربية بشكل كامل، بوصفها"الحضارة الإنسانية المعاصرة"وغاية ما وصلت إليه البشرية في مسيرة الارتقاء، إلى أطروحات تدعو إلى اقتباس"محاسن"تلك الحضارة من أجل"هضمها وإخراجها حضارة متميزة تتوافق مع هويتنا الحضارية"، وإلى أخرى تدعو إلى تلاقح الحضارات وتفاعلها من أجل مزيد من الارتقاء ... إلى ما هنالك من آراء ومقولات.

إلا أن الأطروحات الأشد خطورة، كانت تلك التي دأبت على دراسة الإسلام وفهمه - ومن ثم إبرازه - على نحو يتوافق مع الحضارة الغربية، أو يتكامل معها، أو على الأقل لا يتعارض معها. الأمر الذي أنذر بخطر تحول الإسلام إلى مجرد تراث حضاري تاريخي غابر، والاستبقاء عليه دينًا كهنوتيًا روحيًا قابلًا للتعايش مع أية حضارة تفرض هيبتها وسلطانها على الساحة الدولية، ولا سيما حضارة تفصل الدين عن الحياة والمجتمع والدولة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت