فإذا بغارات الغزو العسكري تترافق مع غارات الغزو الفكري. الأولى تقضم بلاد المسلمين الواحد تلو الآخر وتمرّغ أنوف المسلمين في التراب، والثانية تربك المثقفين وأصحاب الرأي بين المسلمين، وتصيب المجتمع بحالة من الضياع والحيرة. ولم تنته الحرب العالمية الأولى بداية هذا القرن إلا وقد أسفرت عن أعظم نكبة ألمت بالمسلمين خلال تاريخهم الطويل. هذه النكبة لم تكن مجرد هزيمة عسكرية، ولا ضياع أراضٍ شاسعة من ديار الإسلام، ولا إزهاق الألوف من أرواح المسلمين، بل هي أبعد من ذلك بكثير. إنها ضياع لهوية المسلمين، وسقوط لكيانهم المعنوي والمادي، وتَوارٍ للحضارة الإسلامية، وتقويض للمجتمع الإسلامي.
لقد عاش المسلمون في ماضي تاريخهم حقباتٍ من انحطاط وهزيمة وضعف ولكنهم، بكل تأكيد، لم يعيشوا أسوأ من هذه الحقبة، ولم يذوقوا يومًا مرارة الذل التي ذاقوها في هذا القرن، حتى انطبق عليهم، إلى أبعد الحدود، حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:"يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق كما تداعى الأكلة على قصعتها"قيل:"يا رسول الله، أمن قلة بنا يومئذ؟"قال:"أنتم يومئذ كثير، ولكن تكونون غثاء كغثاء السيل ينتزع المهابة من قلوب عدوكم ويجعل في قلوبكم الوهن"قال:"قلنا وما الوهن؟"قال:"حب الدنيا وكراهية الموت" (1) .
وهكذا، لم يعد يماري عاقل في أن الأمة الإسلامية تعيش حالة انحطاط بكل ما تحمل الكلمة من أبعاد، وإن اختلف القائلون في المدى النسبي لذلك الانحطاط. وبالتالي أصبحت أطروحات النهضة والرقي والتغيير والإصلاح والبناء والهدم وإعادة البناء ... من أهم الأطروحات التي شغلت أذهان المثقفين والمفكرين والكتّاب من أبناء المجتمع، فاستهلكت جهودهم وفرّغت أقلامهم واستأثرت بمجالسهم وأحاديثهم، سواء أكانوا مخلصين أو عملاء، واعين أو تائهين ضائعين.
(1) - رواه أبو داود وأحمد. واللفظ للإمام أحمد. أنظر: المسند، الحديث رقم 2246.