الصفحة 7 من 188

وهكذا كانت القرون التي تلت سقوط الإمبراطورية البيزنطية والتي يطلق عليها المؤرخون الغربيون اسم"التاريخ الحديث"، مرحلة المخاضات الفكرية والثقافية والحضارية العسيرة، التي أسفرت مع نهاية القرن الثامن عشر الميلادي عن ولادة الحضارة الغربية المعاصرة، التي قامت على أسس من العلمانية واللبرالية الرأسمالية.

تلك الفسحة التاريخية التي أتاحت للغرب أن يتأمل في أحواله وهويته الحضارية وأسس مجتمعه، كانت مترافقة مع تحجر في التفكير أطبق على أذهان المسلمين، بحيث انعدمت الحيوية الفكرية في المجتمع الإسلامي، وعاش المسلمون على تراث الماضين من الفقهاء وعلماء الإسلام، معتزّين بدينهم ونظامهم ونمط عيشهم وهيبة دولتهم وقوة جيشهم، ولا يرون حولهم أمة أو دولة تضاهيهم بحضارتها أو قوتها ولا يفطنون إلى عوامل الانحطاط والتخلف التي دبّت في كيانهم. وخلال القرن التاسع عشر الميلادي، أضيف إلى ذلك الفارق فارق جديد، ألا وهو فارق القوة العسكرية.

ففي ذلك القرن تعاظمت قوة الدول القومية في أوربا، وترافق ذلك مع قيام الثورة الصناعية التي تحولت قوة مادية تمدّ الجيوش الأوربية بأنواع الأسلحة الجديدة ووسائل النقل البرية والبحرية التي كانت عونًا لها على التوسع الاستعماري في بلاد العالم، ومنها بلاد المسلمين. بينما كانت قوة الدولة العثمانية في تراجع وهبوط سريع، وكان الفساد الإداري قد عم مؤسساتها والأزمات الاقتصادية تفت من عضدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت