الصفحة 6 من 188

وهكذا ... عاد المسلمون ليستأنفوا سابق مجدهم وعزهم، فتولى المماليك حماية بيضة المسلمين والذود عن حرماتهم ومقدساتهم في بلاد مصر والشام والعراق والجزيرة العربية وشمال إفريقية. وفي الأناضول قامت قبيلة بني عثمان لتحمل الراية عن أسلافها السلاجقة، وليطهر مجاهدوها أرض الأناضول نهائيًا من فلول البيزنطيين، بل ليقتحموا بعد ذلك على البيزنطيين أراضيهم داخل القارة الأوربّية، وليقرروا سنة 1453 م نهاية عهد الإمبراطورية البيزنطية، محققين وعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بفتح عاصمة"هرقل"القسطنطينية التي بقيت، مئات السنين، القلب النابض لتلك الإمبراطورية العاتية، ولتتحول إلى مدينة الإسلام"إسلامبول"بل لتتحول سنة 923 هـ إلى عاصمة الخلافة الإسلامية، في ظل الخلفاء العثمانيين.

مضت سنون طوال بعدها، وجيوش المسلمين تهدد ممالك أوربا ودولها. فقد وصل مجاهدو الخلافة العثمانية مقتحمين ديار أوربا الشرقية إلى أسوار فيينا عاصمة الإمبراطورية الرومانية المقدسة، مهددين بذلك أوربا اللاتينية والجرمانية بأسرها. ونشأت آنذاك لدى الغربيين"المسألة الشرقية"، ألا وهي: كيف السبيل إلى التخلص من الخطر الإسلامي؟ ولم يكن من خيار آنذاك إلا استرضاء الخلفاء العثمانيين، والحرص على العلاقات السلمية فيما بينهم وبين المسلمين.

إلا أن هذا السلم كان فرصة للغرب، كي ينعم النظر في أحواله ومجتمعه ودولته، وفي الأسس الحضارية التي تقوم عليها حياته. لقد أدرك أن الفارق الجوهري بين مجتمعه والمجتمع الإسلامي، إنما يكمن في الحضارتين اللتين تصوغان كلًا من هذين المجتمعين، وأن الصراع الحقيقي إنما هو الصراع الحضاري وليس العسكري. واكتشف أن الحضارة التي عاش في كنفها خلال العصور الوسطى هي من الانحطاط، بحيث لم تكن يومًا مؤهلة لأن تواجه حضارة قوية الأركان شامخة البنيان، هي الحضارة الإسلامية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت