الصفحة 5 من 188

إلا أن الناظر للتاريخ، المتعمق في صفحاته، المستنير بأحداثه، حين يحكم على المجتمع الإسلامي في ذلك العصر بالانحطاط، فإنه لا يحكم بذلك مقارنة مع سائر المجتمعات والدول ولا قياسًا عليها. بل هي مقارنة مع سابق عهد المسلمين وقياس عليه. ذلك أنه، على ما أصاب المسلمين من ضعف وهزيمة، لم تكن توجد على وجه الأرض أمة تدانيهم في حضارتهم ورقيّهم وتقدمهم، وأن أعداء المسلمين الذين أذلوهم وسفكوا دماءهم ما تغلبوا عليهم برقي ولا رفعة حضارية. وإنما هي موجات من الغزوات الهمجية التي عرف التاريخ العديد من أمثلتها، تفور وتثور في فجاءة من الزمان، لتقتحم على الشعوب الغافلة عن عوامل ضعفها بلادَها على حين غرّة، ولتفسد في الأرض كما أفسدت يأجوج ومأجوج زمن ذي القرنين. ولكنها لا تلبث أن تنطفئ جذوتها وتنكسر شوكتها، بعد أن دمغ التاريخ وصمة عار في جبينها ... بل على قفاها.

فها هي جحافل الصليبيين تعود إلى ديارها تجر أذيال الخيبة والعار، رغم استقرارها في بعض بلاد الإسلام ما يداني القرنين من السنين، وقد تأثرت بالحضارة الإسلامية وعادات المسلمين، وتنعمت ببعض مدنيّتهم. وها هي جحافل المغول تتهاوى أمام ضربات جيش المماليك الذي استجمع قواه في مصر، ليدحر هؤلاء المعتدين ويعيدهم من حيث أتوا ولكن، مع فرق مهم بين مجيئهم ونكوصهم، فقد انطلقوا من ديارهم مشركين وثنيين، وعادوا إلى ديارهم وهم يدخلون في دين الله أفواجًا، ويعتنقون عقيدة ضحاياهم ويدينون بدينهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت