فكل إنسان يتمنى أن يحصل على السكينة النفسية والطمأنينة الدائمة. ولكن الفرق بين إنسان وآخر، أو بين شخصية وأخرى، أو حتى بين مجتمع وآخر، أن كلًا من هؤلاء يفهم السعادة على نحو، وبالتالي يسعى لتحقيقها بطريقته الخاصة. وهذا يعني بالطبع أن ليس كل هؤلاء حققوا السعادة، ذلك أن للسعادة مفهومًا واحدًا صحيحًا، ولتحقيقها طريقة واحدة لا ثاني لها، وكثير من الناس فهموا السعادة بغير ذلك الفهم وسعوا لها بغير تلك الطريقة فضلّوا سبيلها.
إن الذين قضوا حياتهم في عبادة الأوثان والكواكب والأبطال، والذين قضوا ساعات نهارهم وليلهم في الزوايا يتعبدون ويتبتلون، وأولاء الذين قضوا حياتهم في تحقيق الثروات الضخمة أو هؤلاء الذين قضوها سعيًا وراء اللذة والشهوة والإدمان على الخمور والمخدرات، وأولئك الذين يصبحون ويمسون على ممارسة الجريمة بشتى أنواعها... كل أولئك يفعلون ما يفعلون أملًا بالوصول إلى السعادة، ولأنهم فهموا أن ذلك النمط من الحياة هو السعادة أو الموصل إلى السعادة.
حتى أولئك الذين يأخذون القرار بالانتحار، فإنهم يفعلون ذلك أملًا بالحصول على السعادة، باختراق ذلك الجدار الذي يحد حياتهم، أو على الأقل هم يحاولون الهروب من التعاسة التي تمثلت في الدنيا، لعلهم يجدون السعادة فيما وراءها.
إن معظم المذاهب المادية التي تسود العالم اليوم - وعلى رأسها الحضارة الغربية- تنظر إلى الإنسان بوصفه كائنًا حيًا يتمتع بطاقة حيوية ناتجة عن غرائزه وحاجاته العضوية، وأن مشكلته تكمن في تمكنه من الإشباع المادي لتلك الجوعات، وأنه بقدر ما يشبعها يسعد. فالسعادة تعظم بكثرة الإشباع وتنقص بقلة الإشباع.
من هنا كانت الحرية الشخصية من الأشياء المقدسة لدى الحضارة الغربية، لأن السعادة لديهم هي"نيل أكبر قدر من المتع الجسدية"، ولا يتأتى تمكين الإنسان من تحقيق السعادة إلا بتركه يفعل ما يريد ويشتهي دون حدود أو ضوابط ينضبط بها.