وبهذه القاعدة الفكرية، وما انبنى عليها من أفكار وأحكام وأنظمة، استطاعوا أن يحدثوا ذلك الانقلاب الشامل في جزيرة العرب لتتحول من الوثنية المنحطة إلى الإسلام الصرف النقي الصافي، الذي ودع عليه الرسول - صلى الله عليه وسلم - المسلمين قائلًا:"تركتكم على المَحَجَّة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك" (1) . وبها أيضًا انطلقوا خارج الجزيرة العربية فاتحين العالم، ليواجهوا أممًا تحمل في أذهانها وضمائرها ثقافات عريقة وحضارات مزدهرة، فما كان من هؤلاء إلا أن ألقوا سلاحهم وهجروا قواعدهم الفكرية مقبلين على عقيدة الإسلام التي انهارت أمامها كل الحضارات والثقافات، ولم يصمد أمام قوتها فكر ولا دين.
ذلك أن هؤلاء المسلمين الأوائل حين واجهوا الثقافات والحضارات الأخرى، عمدوا إلى قواعدها الفكرية فنسفوها من أساسها. وميزوا بين ما يتعارض مع قاعدتهم الفكرية من تلك المعارف فردّوه ورفضوه، بل ونفوه من أذهان أصحابه، وبين ما يتوافق معها من المعارف فأخذوه واستفادوا منه وأسهموا في إثرائه وإنمائه. فإنهم في الوقت الذي أخذوا فيه علوم الطب والفيزياء والكيمياء والهندسة والحساب والفلك وعلوم الإدارة والفنون العسكرية والحربية والملاحية وغيرها من العلوم والأشكال المدنية وجعلوها من أسباب قوتهم، لم يفكروا في اقتباس العقائد والأديان والأنظمة والتشريع والإديولوجيات. وإنه وإن وجد بعض الناس ممن تأثروا بالفلسفة اليونانية وعُرفوا زورًا باسم الفلاسفة المسلمين، أو ممن تأثروا بالفلسفة الهندية أو بالفكر الفارسي، إلا أن هؤلاء كانوا قلة عزلهم المجتمع الإسلامي ولم يعبّروا عن التيار الفكري للأمة الإسلامية آنذاك.
(1) - رواه الإمام أحمد في مسنده - 4/126.