وتأمّلْ في قوله تعالى: { ومن يؤمن بالله يَهْدِ قلبه والله بكل شيء عليم } (1) . فالله عز وجل يخبرنا في هذه الآية الكريمة أن الإيمان به -وبالتالي الإيمان بما أوجب من العقائد- هو الذي يهدي قلب الإنسان. والقلب حين يرد ذكره في القرآن الكريم فإنه يراد به غالبًا العقل، قال تعالى: { أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها } (2) . وبذلك يكون الإيمان بالله مرشدًا للعقل موجهًا له في كل ما يعترض الإنسان في حياته، ولذلك ختم الله تعالى الآية بقوله: { والله بكل شيء عليم } ، أي إن الله هو الذي يعلم كل شيء وهو القادر على أن يعلم الإنسان ما يلزمه في حياته، كما في قوله تعالى: { واتّقوا الله ويُعَلِّمُكم الله } (3) .
هذه هي أهم سمة ميّزت المسلمين الذين حملوا الإسلام في صدر التاريخ الإسلامي. فأولئك الصحابة الذين كانوا في الجاهلية يحملون عقائد الكفر ويعبدون الأوثان ويقارفون الفواحش ويئدون البنات ويحيوْن حياة الانحطاط والتخلف ويتخلقون بأخلاق القبلية العصبية الجاهلية، أولئك تحولوا بمجرد أن أصبحت العقيدة الإسلامية قاعدة تفكيرهم إلى أناس آخرين، وكأن تلك الأبدان أصبحت تحوي في داخلها نفوسًا أخرى غير تلك التي كانت تحويها. فإذا الرجل منهم يصبح شخصية متميزة ترفض كل عقائد الجاهلية وتأنف عاداتها الهابطة وتزدري مفاهيمها وتقاليدها البالية العفنة. وإذا بتلك القاعدة الفكرية الجديدة تنير لهم طريق الرشاد وتكشف لهم الأشياء على حقيقتها والناس على قدرهم، وتملأ عقولهم بثقافة عظيمة هي بمثابة البنيان الشامخ والصرح العظيم الذي قام على الأساس المتين، حتى اصبح الواحد منهم يوصف بحق بأن سلوكه القرآن.
(1) - سورة التغابن - الآية 11
(2) - سورة الحج - الآية 46
(3) - سورة البقرة - الآية 282